% الإخلاص
• فضله: قال الله تعالى:
(( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ))، وقال تعالى:(( ألا لله الدين
الخالص ))، وقال:(( إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ))،
وقال:(( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ))،
وقال r: ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرىء ما نوى )، وقال r لسعد: ( إنك لن تُخَلَّف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت
به درجة ورفعة )، وقال r: ( إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ، ولا إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى
قلوبكم وأعمالكم )، وقال: ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله )،
وقال يعقوب المكفوف: المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته .
• حقيقته: هو تجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب،
فإذا امتزج قصد التقرب بباعث آخر من شرك أو رياء أو غيره من حظوظ النفس فقد خرج عن
الإخلاص، ومثاله أن يصوم لينتفع بالحمية، أو يحج ليتخلص من عدو له، أو يعود مريضا
ليعاد إذا مرض، أو يفعل الطاعات ليعرف بالخير ويذُكر به .
• الخالص من العمل هو الذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من الله
تعالى، وهذا لا يُتصور إلا من محب لله، ولذا كان طريق الإخلاص هو تقوية توحيد الله
في القلب، وكسر حظوظ النفس، وقطع الطمع عن الدنيا، والتجرد للآخرة.
• كم من أعمال يتعب الإنسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه الله
ويكون فيها مغرورا؛ لأنه لا يرى وجه الآفة فيها. فليكن العبد شديد التفقد
والمراقبة لهذه الدقائق، وإلا التحق بأتباع الشياطين من حيث لا يشعر .
% الإسراف
• نهى
الإسلام عن شتى صور الإسراف، الذى هو خروج عن الوسط والاعتدال؛ بالزيادة فى كل
التصرفات الإنسانية - وإن كانت حلالا -؛ ذلك أنه يترتب على الإسراف الاقتصادي خاصةً
إهدار الوقت والجهد والموارد، وقصورها - على وفرتها - عن تلبية الحاجات الإنسانية،
والله تبارك وتعالى يقول: ((وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين))، وقال
سبحانه: ((ولا تبذر تبذيرا* إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه
كفورا))، وقال: (( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما
محسورا ))، وقال r: (كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا، في غير إسراف و لا مخيلة) أي
خيلاء .
• ذكر
أهل العلم أن للإسراف حالتين:
1-
أن يقع الإنفاق في الحرام.
2-
أن يكون الإنفاق فيما هو مباح الأصل لكن ليس على وجه مشروع، كإنفاق المال الكثير
فى الغرض الخسيس، وكأنه يضعه فيما يحل له لكن فوق الاعتدال ومقدار الحاجة، وقد قال
تعالى: (( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما )).
% الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
•
أهميته: اعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو المقصد الذي ابتعث الله له
النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه وأُهمل علمه وعمله لفشت الضلالة، وشاعت الجهالة،
وخربت البلاد، وهلك العباد، كما قال سبحانه: (( لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل
على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر
فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ))، وهذا غاية التشديد؛ إذ علل استحقاقهم للّعنة
بتركهم النهي عن المنكر.
•
حكمه وفضله: قال تعالى: (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر وأولئك هم المفلحون ))، وظاهر الأمر الإيجاب، وأنه من فروض الكفايات،
وفي الآية بيان أن الفلاح منوط به. وقال عز وجل: (( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون
بالمعروف وتنهون عن المنكر ))، وقال تعالى: (( فلما نسوا ما ذُكروا به أنجينا
الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون ))، فبين
أنهم استفادوا النجاة بالنهي عن السوء، وقال تعالى: (( فلولا كان من القرون من قبلكم
أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض )) الآية، فبين أنه أهلك جميعَهم إلا قليلا
منهم كانوا ينهون عن الفساد، وقال تعالى: (( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر
بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه
أجرا عظيما )).
ومن
الأخبار قوله r: ( والذي نفسي بيده لتأمرُنّ بالمعروف ، ولتنهوُنّ عن المنكر؛ أو
ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم )، وفي الحديث:
قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله ؟ قال : ( غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ،
والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ).
• شروط الإنكار:
1-
التحقق من كون الفعل منكرا، وهو ما كان محذور الوقوع في الشرع.
2- أن يكون المنكر ظاهرا بغير تجسس.
3- أن يكون الفعل منكرا بالاتفاق، لا أن يكون من مسائل الاجتهاد
التي تحتملها النصوص الشرعية، فإن كانت المسألة اجتهادية فلا بأس بالنصيحة على
سبيل الأمر بالمعروف.
• درجات الإنكار:
- أولا: تعريف العاصي بأن ما يفعله منكر، وذلك بالرفق به من غير
تعنيف، فربما كان جاهلا أو غافلا.
- ثانيا:
النهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله تعالى، مع التلطف والرحمة به، وذلك فيمن يُقْدِم
على فعله وهو عالم بكونه منكرا.
- ثالثا: التعنيف بالقول، وذلك عند العجز عن المنع باللطف، وظهورِ
مبادئ الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنصح، وذلك مثل قول إبراهيم u: (( أفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ))، ولا يفحش
في سبه. ولهذه الرتبة أدبان: أحدهما: أن لا يقدم عليها إلا عند الضرورة والعجز عن
اللطف، والثاني: أن لا ينطق إلا بالصدق، ولا يسترسل فيه ولا يطيل.
- رابعا: التغيير باليد، كإراقة الخمر وإتلاف المعازف. وليس إلى
آحاد الرعية إلا دفع المنكر، وأما الإراقة والإتلاف فإلى الولاة ومأذونيهم؛ كالضرب
والحبس.
- خامسا: إن لم يستطع شيئا من ذلك فلينكره بقلبه، ولا يجالس
أهله، كما قال r: ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن
لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ).
• آداب القائم بالأمر والنهي:
جملتها ثلاث صفات: العلم، والورع، وحسن الخلق. أما العلم
فلِيَعلم مواقع الأمر والنهي؛ ليقتصر على حد الشرع فيه، قال تعالى: ((قل هذه سبيلي
أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني)) . وأما الورع والاستقامة فلِيَردعه عن
المخالفة، وعن مجاوزة الحد المأذون شرعا، وليكون كلامه مقبولا، قال r: ( يُجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في
النار، فيُطحن فيها كطحن الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون : أيْ فلان!
ما شأنك ؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟! قال : كنت آمركم
بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه ) . وأما حسن الخلق فليتمكن به من
اللطف والرفق، وهو أصل الباب وأساسه، كما أمر الله سبحانه موسى وهارون أن يرفقا
بفرعون، فقال: (( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى )).
• اعلم أن المنكرات تنقسم إلى: مكروهة ومحظورة، فإذا قيل: هذا
منكر مكروه؛ فالمنع منه مستحب، والسكوت عليه مكروه وليس بحرام، وإذا قيل: منكر
محظور، أو قيل: منكر –مطلقا- فيراد به المحظور، ويكون السكوت عليه مع القدرة
محظورا.
•
على كل مسلم أن يبدأ بنفسه فيصلحها؛ بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات، ثم يعلّم
ذلك أهلَ بيته، ثم يتعدى إلى جيرانه، ثم إلى أهل حيّه، ثم إلى أهل بلده، ثم من
بعدهم، فإن قام به الأدنى سقط عن الأبعد، وإلا حَرِج به كل قادر عليه؛ قريبا كان
أو بعيدا، وذلك اقتداء بفعل النبي r حين أمره الله تعالى بقوله: ((وأنذر عشيرتك الأقربين)).
% الإيثار
•
الإيثار أرفع درجات السخاء، وهو أن يجود بالمال مع الحاجة إليه، وإنما السخاء
عبارة عن بذل ما لا يحتاج إليه . والبذل مع الحاجة أشد، وقد أثنى الله على الصحابة
y به، فقال سبحانه: (( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان
بهم خصاصة ))، فقد ثبت أنه نزل برسول الله r ضيف، فلم يجد عند أهله شيئا، فدخل عليه رجل من الأنصار فذهب
بالضيف إلى أهله، ثم وضع بين يديه الطعام، وأمر امرأته بإطفاء السراج، وجعل يمد يده
إلى الطعام كأنه يأكل وهو لا يأكل، حتى أكل الضيف الطعام، فلما أصبح قال له رسول
الله r: (لقد
عجب الله من صنيعكما الليلة إلى ضيفكما) ونزلت: (( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم
خصاصة )).
• روي أن عبد الله بن جعفر خرج إلى ضيعة له، فنزل على نخيل قوم،
وفيه غلام يعمل فيه، إذ أتى الغلام بقُوْته، فدخل الحائط كلب ودنا من الغلام، فرمى
إليه الغلام بقرص فأكله، ثم رمى إليه الثاني والثالث فأكله، وعبد الله ينظر إليه،
فقال: يا غلام كم قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت. قال: فلِمَ آثرت به هذا الكلب؟ قال:
ما هي بأرض كلاب، إنه جاء من مسافة بعيدة جائعا، فكرهت أن أشبع وهو جائع. قال: فما
أنت صانعٌ اليوم؟ قال: أطوي يومي هذا. فقال عبد الله بن جعفر: أُلامُ على السخاء!
إن هذا الغلام لأسخى مني، فاشترى الحائط والغلام وما فيه من الآلات، فأعتق الغلام
ووهبه منه .
• وروي
عن عمر t
أنه قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله r رأس شاة، فقال: إن أخي كان أحوج مني إليه، فبعث به إليه، فلم يزل
كل واحد يبعث به إلى آخر حتى تداوله سبعة أبيات ورجع إلى الأول.
• وروي
عن حذيفة العدوي أنه قال: انطلقت يوم اليرموك من أيام فتوح الشام أطلب ابن عم لي،
ومعي شيء من ماء، وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته ومسحت به وجهه، فإذا أنا به،
فقلت: أسقيك؟ فأشار إلي أن نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي إلي أن انطلق به
إليه، فجئته فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فسمع آخرَ يقول:"آه"
فأشار هشام أن انطلق به إليه، فجئته فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد
مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات، رحمة الله عليهم أجمعين.
% البخل
• ذمُّه: قال الله تعالى: (( ومن يوقَ شح نفسه
فأولئك هم المفلحون ))، وقال تعالى: (( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من
فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ))، وقال r: (إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا
دماءهم، واستحلوا محارمهم). وقال r: (خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق)، وقال r : (وأي داء أدوى من البخل). وعن علي t قال: سيأتي على الناس زمان عضوض، يعَض الموسر على ما في يديه، ولم
يؤمر بذلك، قال الله تعالى: (( ولا تنسوا الفضل بينكم )) اهـ. وقال الشعبي: لا
أدري أيهما أبعد غورا في نار جهنم: البخل أو الكذب.
•
علاجه: اعلم أن البخل سببه حب المال، ولحب المال سببان: أحدهما: حب الشهوات التي
لا وصول إليها إلا بالمال، مع طول الأمل. والثاني: أن يحب عين المال، ويلتذ بوجوده.
وعلاج كل علة بمضادة سببها، فيعالج حب الشهوات بالقناعة باليسير، وبالصبر. ويعالج
طول الأمل بكثرة ذكر الموت، والنظر في موت الأقران، وطول تعبهم في جمع المال،
وضياعه بعدهم. ويعالج التفات القلب إلى الولد بأن خالقه خَلَق معه رزقه، وكم من
ولد لم يرث من أبيه مالا وحاله أحسن ممن ورث، وبأن يعلم أنه يجمع المال لولده يريد
أن يترك ولده بخير، وينقلب هو إلى شر. ويعالج قلبه أيضا بكثرة التأمل في الأخبار
الواردة في ذم البخل ومدح السخاء، وما توعد الله به على البخل من العقاب العظيم.
ومن الأدوية النافعة كثرة التأمل في أحوال البخلاء، ونفرة الطبع عنهم واستقباحهم
له؛ فإنه ما من بخيل إلا ويَستقبح البخلَ من غيره. ويعالج قلبه أيضا بأن يتفكر في
مقاصد المال، وأنه لماذا خُلِق؟ فلا يحفظ منه إلا قدر حاجته، والباقي يدخره لنفسه
في الآخرة. فإذا تحركت نيته في البذل فينبغي أن يجيب الخاطر الأول، ولا يتوقف؛ فإن
الشيطان يعده الفقر، ويخوفه، ويصده عن الإنفاق.
% بر الوالدين وعقوقهما
• بر
الوالدين: إن من أعظم الروابط بين الناس رابطة خصّها
الشرع الحنيف بمزيد من الاهتمام والذكر، بل جعلها من فرائض الدين الكبرى، فأمر
بوصلها والإحسان إليها والقيام بحقها، ورتب عليه أعظم الأجر وأزكاه. وفي المقابل
حذر من المساس بهذه الرابطة الوثيقة والإخلال بها والاعتداء عليها حتى ولو بأدنى
لفظ أو نظر.
تلكم
الرابطة هي رابطة الوالدين، حيث إن شأنهما عظيم وحقهما كبير، فقد قرنه الله بحقه
سبحانه في أكثر من آية في كتابه العزيز، قال تعالى: ((وقضى
ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو
كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً * واخفض لهما جناح
الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)). وقد
أوجب الإحسان إليهما لفضلهما وعظيم معروفهما على ولدهما قال تعالى: ((يسئلونك
ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين))، وقال تعالى: ((واعبدوا
الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً))، وقال
تعالى: ((قل تعالوا أتل ما حرم ربكم
عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً))، وقال
سبحانه: ((ووصينا الإنسان بوالديه
حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير))، وقال تعالى: ((ووصينا
الإنسان بوالديه إحساناً)). ومع
أنه لا أعظم جرماً من الشرك بالله والدعوة إليه ومع هذا يقول الله عز وجل معظماً
لحقهما: ((وإن جاهداك على أن تشرك بي
ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا)).
ولقد
جاءت نصوص السنة متضافرة في الدلالة على هذا الحق العظيم، فمن ذلك ما رواه عبد
الله بن مسعود t قال: سألت رسول الله r: أي
العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: (الصلاة
على وقتها) قلت: ثم أي؟ قال: (بر الوالدين) قلت: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله)،
وعن أبي هريرة t قال: قال النبي r: (رغم
أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل
الجنة)، ورغم أنف: أي ذل ولصق بالرغام وهو التراب. وعن
عبد الله بن عمرو t: قال
أقبل رجل إلى النبي r فقال:
أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى، فقال r: (فهل
لك من والديك أحد حي؟) قال: نعم، بل كلاهما، قال: (فتبتغي الأجر من الله تعالى؟)
قال: نعم، قال: (فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما) .
وبر
الوالدين مفتاح لخير عظيم ومغلاق لأبواب من الشرور عظيمة، فهو من أعظم أسباب دخول
الجنة والنجاة من النار، ثم هو دَين يُدخر لك في ذريتك، فكما تدين تدان. وبر
الوالدين سبب في بسط الرزق، وطول العمر، وكذلك سبب في دفع المصائب، كما جاء في خبر
أصحاب الغار. كما أنه سبب في إجابة الدعاء، كما جاء في صحيح مسلم في خبر أويس
القرني أنه كان باراً بأمه. إلى غير ذلك مما هو مدخر للبار بوالديه من خيري الدنيا
والآخرة.
قال
ابن الجوزي: ليعلم البار بالوالدين أنه مهما بلغ في برهما لم يَفِ بشكرهما. عن
زرعة بن إبراهيم: أن رجلاً جاء إلى عمر t فقال:
إن لي أماً بلغ بها الكِبَر، وإنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري مطية لها، وأوضِّئها
وأصرف وجهي عنها، فهل أديت حقها؟ قال: لا. قال: أليس قد حملتها على ظهري وحبست
نفسي عليها؟ فقال عمر t: "إنها
كانت تصنع ذلك بك وهي تتمنى بقاءك وأنت تتمنى فراقها". وجاء
رجل إلى ابن عمر t فقال:
حملت أمي على رقبتي من خراسان حتى قضيت بها مناسك الحج، أتراني جزيتها؟ قال: "لا،
ولا طلقة من طلقاتها".
إلى
أن قال رحمه الله: "وبرهما يكون بطاعتهما فيما يأمران به ما لم يكن بمحظور،
وتقديم أمرهما على فعل النافلة، والاجتناب لما نهيا عنه، والإنفاق عليهما، والتوخي
لشهواتهما، والمبالغة في خدمتهما، واستعمال الأدب والهيبة لهما، فلا يرفع الولد
صوته، ولا يحدق إليهما، ولا يدعوهما باسمهما، ويمشي وراءهما، ويصبر على ما يكره
مما يصدر منهما".
• عقوق
الوالدين: ومع كثرة النصوص والآثار الدالة على عظم شأن الوالدين ورفع مكانهما إلا
أن بعض الناس قد أخلّوا بهذا الجانب إخلالاً عظيماً، فكم سمع الناس وقرؤوا وشاهدوا
من مظاهر العقوق القولية والعملية ما يندى له الجبين ويتفطر له القلب!! وعقوق
الوالدين له صور كثيرة، منها: إظهار العبوس عند مقابلة الوالدين بخلاف ما لو قابل
أصحابه، وإنك لتعجب ممن يتكلف البشاشة والابتسامة مع الآخرين بينما يتثاقل في
إظهار ذلك مع والديه. ومن صور العقوق أيضاً رفع
الصوت عليهما، أو مقاطعة كلامهما بزجرهما وفرض الرأي عليهما، وهذه الطباع مما
يذمها العقلاء مع عامة الناس فكيف إذا كان ذلك مع الوالدين. ومن
صور العقوق أيضاً النظر إلى الوالدين شزراً، وذلك بإحداد النظر إليهما وكأنه ينظر
إلى أحد أبنائه لزجره، أو كأنه ينظر إلى عدو، قال مجاهد: "ما
بر والديه من أحدّ النظر إليهما". ومن
صور العقوق التأخر في قضاء حاجاتهما والتسويف بها إلى أن يسأم الوالدان من سؤاله
بعد ذلك. ومن صور العقوق القيام بحق
الزوجة والاعتناء به في مقابل عدم الاعتناء بحق الوالدين وعدم الاكتراث له بل
وتضييعه. ولا حاجة بنا لذكر صور من العقوق بغيضة ليست من صفات المسلمين بل ولا من
عادة عرب الجاهلية، كضرب الوالدين أو لعنهما أو البصق عليهما أو رميهما في دور
العجزة والتخلص منهما، نعوذ بالله من الخزي والخذلان في الدنيا والآخرة.
عن
أبي بكرة t قال: قال رسول الله r: (ألا
أنبئكم بأكبر الكبائر؟) قالها: ثلاثاً، قلنا: بلى يا رسول الله قال: (الإشراك
بالله وعقوق الوالدين..) الحديث، وعن
ابن عمر t قال: قال r: (ثلاثة
لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه ومدمن الخمر والمنان). وعقوبة
العاق معجلة لصاحبها في الدنيا؛ لقوله r: (ما
من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في
الآخرة من البغي وقطيعة الرحم).
اللهم
وفقنا لبر والدينا أحياءً وأمواتاً، واجعلنا لهم قرة أعين، وتوفنا وإياهم وأنت
راضٍ عنا يا أرحم الراحمين.
% التفكر
• فضله والأمر به: اعلم أنه قد أمر الله تعالى
بالتفكر والتدبر في كتابه العزيز في مواضع كثيرة جدا، وأثنى على المتفكرين، فقال
تعالى: ((الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات
والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا))، وقال: ((فاقصص القصص لعلهم يتفكرون))، وقال: ((كذلك
نفصل الآيات لقوم يتفكرون))، وقال: ((يغشي الليلَ النهارَ إن في ذلك لآيات لقوم
يتفكرون))، وقال: ((أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها))، وقال النبي r: (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله)، وقال حاتم:"من
العبرة يزيد العلم، ومن الذكر يزيد الحب، ومن التفكر يزيد الخوف"، وقال
الشافعي:"استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكر".
•
ثمرته: ثمرة الفكر هي العلم واستجلاب المعرفة، وإذا حصل العلم في القلب تغير حال
القلب، وإذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح. فالفكر إذن هو المبدأ والمفتاح
للخيرات كلها؛ لأنه هو الذي يهدي -بتوفيق الله لعبده- إلى استثمار العلوم ونتاج المعارف
والفوائد.
• من صوره:
1-
أن يتفكر في ذنوبه، ويعظِّمها في قلبه، ثم ينظر في الوعيد والتشديد الذي ورد فيها.
وذلك يثمر التوبةَ والندم.
2- أن ينظر في إحسان الله وأياديه عليه، وفي إرساله جميل ستره
عليه. وهذا يثمر الشكرَ لله.
3- أن يتفكر في جلال الله وجماله وعظمته وكبريائه، وذلك بالنظر
في عجائب حكمته وبدائع صنعه. ويثمر هذا المحبةَ لله والشوق إليه.
4- أن يتفكر في الموت وسكراته وحياة البرزخ والنفخ في الصور وهول
المحشر والحساب، ثم ليُحضِر في قلبه صورة جهنم وأهوالها وسلاسلها وأغلالها وزقومها
وصديدها وأنواع العذاب فيها. ويثمر ذلك في قلبه الخوف من الله.
5- التفكر في الجنة وأشجارها وحورها وولدانها ونعيمها المقيم
وملكها الدائم، وذلك يثمر الرجاء في الله.
6- أن يتدبر القرآن الكريم، ويتفكر في آياته، فإنه جامع لجميع
المقامات والأحوال؛ من الخوف والرجاء والصبر والشكر والمحبة والشوق وغير ذلك، مما
يزجر عن سائر الصفات المذمومة.
7- التفكر في أخبار رسول الله r، فإنه قد أوتي جوامع الكلم، وكل كلمة من كلماته بحر من بحور العلم
والحكمة.
8- أن يتفكر في كل ما في الوجود مما سوى الله تعالى، فكل ذرة من الذرات فيها من العجائب والغرائب ما تظهر بها حكمة الله وقدرته وجلاله وعظمته، ومن ذلك التفكر في خلق الإنسان كما في قوله تعالى: ((وفي أنفسكم أفلا تبصرون))، والتفكر في عظيم خلق السموات والأرض كما قال سبحانه: ((الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار))، والتفكر في سائر مخلوقات الله في سمائه وأرضه كما في قوله r:(لقد نزلت علي الليلة آيات، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون").
% التقعر (في الكلام)
• وهو التشدق، وتكلف
السجع والفصاحة، والتصنع فيه؛ فإنه من التكلف الممقوت، إذ ينبغي أن يقتصر في كل
شيء على مقصوده، ومقصود الكلام التفهيم للغرض، وما وراء ذلك تصنع مذموم، قال r: (إن الله يبغض البليغ من الرجال؛ الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل
البقرة).
• لا يدخل في هذا تحسين ألفاظ الوعظ والخطابة من غير إفراط ولا
إغراب، فلرشاقة اللفظ تأثير في ذلك.
% التواضع
• قال الله تعالى : ((واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين))، وقال
سبحانه : ((يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم
ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين))، وقال r : ( إن الله أوحى إلي أن تواضعوا ؛ حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا
يبغي أحد على أحد ). وقال: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله )، وعن أنسt قال : "إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي r ، فتنطلق به حيث شاءت" .
• قال أبو سعيد الخدري t: "كُلْ لله، واشرب لله، والْبَسْ لله، وكلّ شيء من ذلك دخله
زهوٌ أو مباهاة أو رياء أو سمعة فهو معصية وسرف. وعالج في بيتك من الخدمة ما كان
يعالج رسول الله r في
بيته ؛ كان يحلب الشاة، ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويأكل مع خادمه، ويشتري الشيء
من السوق، ولا يمنعه الحياء أن يعلّقه بيده. يصافح الغني والفقير، ويسلّم مبتدئا
على كل من استقبله من صغير أو كبير، يجيب إذا دُعي، ولا يحقر ما دعي إليه. ليّن
الخلق، جميل المعاشرة، طليق الوجه، شديد في غير عنف، متواضع في غير مذلة، جواد من
غير سرف، رقيق القلب r".
• هذا الخُلُق كسائر الأخلاق؛ له طرفان ووسط، فطرفه الذي يميل
إلى الزيادة يسمى تخاسسا ومذلة، وطرفه الذي يميل إلى النقصان يسمى تكبرا، والوسط
يسمى تواضعا، وأحب الأمور إلى الله تعالى أوساطها، والمحمود عند الله العدل، وهو
أن يعطي كل ذي حق حقه.
% التوبة
• فضلها: إن ذنوب العبد
هي سبب حجبه وبعده عن الله تعالى، والواجب التوبة منها؛ لأمره سبحانه بذلك في
مواضع عدة من القرآن الكريم، كقوله جل جلاله: ((وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون
لعلكم تفلحون))، وقال: ((يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا))،
والتوبة النصوح هي الخالصة لله تعالى، الخالية عن الشوائب. ويدل على فضل التوبة
قوله تعالى: ((إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين))، وقوله r: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، والأخبار في ذلك كثيرة، وقد
قال r: (إنه ليُغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة)، فإذا
كان هذا حاله r فكيف يكون حال غيره؟!
• قال أبو سليمان الداراني: "لو لم يبكِ العاقل فيما بقي من
عمره إلا على تفويت ما مضى منه في غير الطاعة لكان خليقا أن يحزنه ذلك إلى الممات،
فكيف من يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله؟!" . وإنما قال هذا لأن
العاقل إذا ملك جوهرة نفيسة وضاعت منه بغير فائدة بكى عليها، وإن ضاعت منه وصار
ضياعها سبب هلاكه كان بكاؤه منها أشد. وكل ساعة من العمر -بل كل نَفَس- جوهرة
نفيسة لا خلف لها ولا بدل منها؛ فإنها صالحة لأن توصلك إلى سعادة الأبد، وتنقذك من
شقاوة الأبد، فإذا ضيعتها في الغفلة فقد خسرت خسرانا مبينا.
• حكمها: لا شك أن التوبة واجبة على الفور وعلى الدوام عند
ارتكاب كل ذنب ومعصية، قال تعالى: ((وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم
العذاب ثم لا تنصرون * واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم
العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن
كنت لمن الساخرين * أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى
العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين * بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت
وكنت من الكافرين))، وقال سبحانه: ((وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا
حضر أحدَهم الموتُ قال إني تبت الآن))، وقال تعالى: ((إنما التوبة على الله للذين
يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب)) معناه عن قرب عهد بالخطيئة؛ بأن يتندم
عليها ويمحو أثرها بحسنة يردفها بها، قبل أن يتراكم الرين على القلب فلا يقبل
المحو، ولذلك قال r: (أتبِع
السيئةَ الحسنةَ تمحها).
• وصية عظيمة: إذا أذنبت -أخي المسلم- فقد أرشدك حبيبك محمد r لتكفير خطيئتك إلى عمل يسير، وهو عظيم عند الله تعالى، وذلك في قوله
r: (ما من عبد يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين،
ثم يستغفر الله بذلك الذنب؛ إلا غفر الله له)، ومن ترك المبادرة إلى التوبة
بالتسويف كان بين خطرين عظيمين:
أحدهما: أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير رَينا
وطبعا، فلا يقبل المحو.
الثاني: أن يعاجله المرض أو الموت، فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو،
فيأتي اللهَ يوم القيامة بقلب غير سليم، ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم.
• قَبولها: إذا استَجْمَعَتْ التوبةُ شرائطها فهي مقبولة حتما
بإذن الله، كما في قوله تعالى: ((غافر الذنب وقابل التوب))، وقوله: ((وهو الذي
يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات))، وقال r: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيءُ النهار، ويبسط يده بالنهار
ليتوب مسيء الليل؛ حتى تطلع الشمس من مغربها)، وقال r: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
• أقسام
الذنوب: تنقسم الذنوب إلى صغائر وكبائر، كما قال تعالى: ((إن تجتنبوا كبائر ما تُنهون
عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما))، وقال تعالى: ((الذين يجتنبون كبائر
الإثم والفواحش إلا اللمم)). ولعل الأقرب أن الكبيرة هي: كل ذنب ورد فيه عقوبة
خاصة؛ كالشرك والقتل والسرقة والفواحش.
•
ما تَعْظُم به الصغائر من الذنوب: اعلم أن الصغيرة تكبر بأسباب:
منها: الإصرار والمواظبة، ومثال ذلك قطرات الماء تقع على الحجر
على توالٍ فتؤثر فيه، وذلك القَدْر لو صُب عليه دفعة واحدة لم يؤثر، ولذلك قال r: (خير الأعمال أدومها وإن قَل).
ومنها: أن يستصغر الذنب، فإن الذنب كلما استعظمه العبد في نفسه
صغر عند الله تعالى، وكلما استصغره كبر عند الله تعالى.
ومنها: السرور بالصغيرة والفرح بها، كمن يقول: أما رأيتني كيف
مزقت عرضه، وكيف فضحته، وكيف خدعته...
ومنها: أن يتهاون بستر الله عليه وحلمه عنه، وذلك لأمنه من مكر
الله.
ومنها: أن يُظهِر الذنب ويذكره بعد إتيانه، وذلك جناية منه على
ستر الله عليه.
ومنها: أن يكون المذنب عالما يُقتدى به، قال r: (من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص من
أوزارهم شيئا).
• شروطها: أربعة:
1- الإقلاع عن فعل الذنب.
2- الندم على فعل المعصية. وكلما كان الندم أشد كان تكفير الذنب
به أرجى .
3- العزم على عدم العودة لفعل المعصية. فإن عاد إليها وجبت عليه
التوبة مرة أخرى بشروطها.
4- رد المظالم والحقوق إلى
أهلها. فمن تناول مالا بخيانة أو غبن أو إنقاص أجرة وجب عليه أن يفتش عن صاحبه
ليستحله، أو ليؤدي حقه له أو لورثته بعد موته، فإن عجز عن ذلك عجزا تاما تصدق بهذا
المال عن صاحبه.
• الأسباب المعينة على التوبة وتركِ الإصرار على الذنب:
سبب الإصرار على المعصية هو الغفلة والشهوة، وعلاج الغفلة بالعلم،
وعلاج الشهوة بالصبر على قطع الأسباب المحركة لها. ومن الأسباب المعينة على التوبة
ما يلي:
1- أن يتذكر ما في القرآن من الآيات المخوفة للمذنبين والعاصين،
وكذا ما ورد من الأخبار والآثار في ذم المعاصي ومدح التائبين.
2- حكايات الأنبياء والسلف الصالحين، وما جرى على بعضهم من
المصائب بسبب ذنوبهم، كأحوال آدم u وما لقيه من الإخراج من الجنة ونحوها، فإذا كان الأنبياء عليهم
السلام لم يُتجاوز عنهم في الذنوب الصغار فكيف يُتجاوز عن غيرهم في الذنوب الكبار.
3- أن يخاف من تعجيل العقوبة في الدنيا؛ لأن كل ما يصيب العبد من
المصائب فهو بسبب جناياته، كما قال تعالى: ((وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم
ويعفو عن كثير))، وفي الحديث: (إن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه)، وقال بعض
السلف: "ليست اللعنة سوادا في الوجه ونقصانا في المال، إنما اللعنة أن لا
تخرج من ذنب إلا وقعت في مثله أو شرٍّ منه" اهـ. فإذا ابتلي الفاسق بشيء من
المصائب كانت عقوبة له، وإن أصابته نعمة كانت استدراجا له، أما المطيع لله فكل
نعمة في حقه تكون جزاء على طاعته، ويوفق لشكرها، وكل بلية كفارة لذنوبه وزيادة في
درجاته.
4- تذكر ما ورد من العقوبات على آحاد الذنوب، كالخمر والزنا
والسرقة وغير ذلك.
والمدار في هذا الباب على الفكر النافع، وهو الفكر في عقاب
الآخرة وأهوالها وشدائدها، وحسرات العاصين في الحرمان عن النعيم المقيم، وليعتبر
بأنه لو مرض فأخبره طبيب غير مسلم بأن شرب الماء البارد يضره ويسوقه إلى الموت -وكان
الماء البارد ألذ الأشياء عنده-لتركه، مع أن الموت أَلَمُه لحظة، ومفارقته للدنيا
لا بد منها، فيقول: كيف يليق بعقلي أن يكون قول الأنبياء المؤيدين بالمعجزات عندي
دون قول طبيب غير مسلم يدعي الطب بلا معجزة؟! وكيف يكون عذاب النار عندي أخف من
عذاب المرض؟!
ثم
إن توفيق الله وتيسيره من وراء ذلك، فمن اتقى الله تعالى وجاهد هواه سيجعل الله له
مخرجا وسييسره لليسرى.
% الجار
• منزلته: اعلم أن الجوار يقتضي حقا وراء ما
تقتضيه أخوة الإسلام، فقد قال تعالى: ((وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى
والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب))، وقال r: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه)، وقال: (من
كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)، وقال: (لا يدخل الجنةَ مَن لا يأمن جارُه
بوائقَه)، وقيل لرسول الله r:
إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل، وتؤذي جيرانها، فقال: (هي في النار).
•
من حقوقه: الجيران ثلاثة: جار له حق واحد وهو المشرك، وجار له حقان وهو المسلم،
وجار له ثلاثة حقوق وهو المسلم ذو الرحم.
وجملة
حق الجار أن يبدأه بالسلام، ويعوده في المرض، ويعزيه في المصيبة، ويهنئه في الفرح،
ويُظهِر السرور معه، ويصفح عن زلّاته، ولا يطّلع على عوراته، ولا يضايقه، ويرشده
إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه.
•
من أحكام الجوار:
1-
من احتاج إلى جاره، كأن يحتاج إلى إجراء الماء في أرضه أو مَمَرٍّ في ملكه أو نحو
ذلك؛ فعلى جاره أن يحقق له حاجته، سواء كانت بعِوَض أو بغير عوض.
2-
لا يجوز للإنسان أن يُحدِث في ملكه ما يضر بجاره؛ كبناء مصنع يؤذي جارَه بأصواته
أو نحو ذلك. وإذا كان بينهما جدار مشترك لا يتصرف فيه ويضع عليه الخشب إلا عند
الضرورة، كأن يحتاج إليه عند التسقيف، فلا يمنعه من ذلك؛ لقوله r: (لا يمنع جارٌ جارَه أن يغرز خشبة في جداره).
% الجاه (الشهرة)
• أصل الجاه هو: انتشار
الصيت، والاشتهار. وطلبه مذموم، بل المحمود الخمول، إلا من شهره الله لفضله ونفعه
ولنشر الدين، من غير تكلفِ طلب الشهرة منه، قال الله تعالى: (( تلك الدار الآخرة
نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ))، وقال عز وجل: (( من كان يريد
الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين
ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ))،
والشهرة والجاه من أعظم ملذات الحياة الدنيا، وعنه r أنه قال: (طوبى لعبدٍ آخِذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثٌ رأسُه،
مُغبرَّة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في
الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشفَّع)، وقال r: (إن الله لاينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى
قلوبكم وأعمالكم)، وعنه r
قال: (رُبَّ أشعثَ أغبر، ذي طِمرين، لا يُؤبَه له، لو أقسم على الله لأبرّه)، وعنه
r: (ألا
أدلكم على أهل الجنة؟ كل ضعيف مستضعَف، لو أقسم على الله لأبره)، والأخبار في مذمة
طلب الشهرة وفضيلة الخمول كثيرة.
•
حب الجاه وحب الثناء والمدح منشأ كثير من فساد الدين والدنيا، ثم إن المذموم هو
طلب الشهرة والحرص عليها، فأما وجودها من الله تعالى من غير تكلف من العبد فليس
بمذموم.
•
علاجه: مركّب من علم وعمل:
أما العلم فهو أن يعلم أن الجاه آخِرُه الموت، فليس هو من
الباقيات الصالحات، فلا ينبغي أن يُترك به الدين، الذي هو الحياة الأبدية التي لا
انقطاع لها.
وأما العمل فبأن يأنس بالخمول ليسقط من نفوسهم، ويستعين عليه
بالأخبار الواردة في ذم طلب الجاه ومدح الخمول، وينظر في أحوال السلف، وإيثارهم
ثواب الآخرة على زخرف الدنيا.
•
علاج كراهية الذم: هو أن تعلم أن من ذمك لا يخلو من ثلاثة أحوال:
إما أن يكون قد صدق فيما قال، وقصد به النصح والشفقة، فلا ينبغي
أن تذمه وتغضب عليه، بل عليك أن تفرح بذلك، وتشتغل بإزالة الصفة المذمومة عن نفسك،
وإلا كنت جاهلا.
وإما أن يكون الذامّ صادقا ولكن قَصْدُه الإيذاء والتعنت، فأنت
قد انتفعت بقوله، وجنايته على نفسه، فلِمَ تغضب عليه بقولٍ انتفعت به أنت، وتضرر
هو به؟!
وإما إن يكون الذامُّ كاذبا، فأنت بريء منه عند الله تعالى،
فينبغي أن لا تكره ذلك.
% الجنة
• تعريفها: هي دار الثواب لمن أطاع اللهَ تعالى.
• موضعها: في السماء السابعة عنـد سدرة المنتهى، قال تعالى: ((ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى)).
• درجاتها: الجنة مائة درجة، بين كل درجـة
والأخرى كما بين السماء والأرض، وأعلاها الفردوس، كما قال r: (في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض،
والفردوس أعلاها درجة، منها تفجر أنهار الجنة الأربعة، ومن فوقها يكون العرش، فإذا
سألتم الله فاسألوه الفردوس).
• أبوابها: للجنة ثمانية أبواب، كما جاء
في قوله r: (في الجنة ثمانية أبواب ...) .
• وهي موجود الآن ؛ لقول الله تعالى : ((أُعِدت
للمتقين))، وقوله r: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء).
• والجنة دائمة باقية، لا تفنى ولا يفنى
ما فيها، كما قال تعالى: ((جزاؤهم عند ربهم جنات عدن
تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا)).
• من صفاتها: قال الله تعالى: (( يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون * الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين * ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون * يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون * وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون * لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون ))، وقال سبحانه: ((مثل الجنة التي وُعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم))، وقال r: (قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم: "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين")، وقال r: (موضع سوطٍ في الجنة خير من الدنيا وما فيها)، وقال: (لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطّلعت إلى الأرض لأضاءت مابينهما، ولَمَلَأت ما بينهما ريحا. ولنصيفها –أي خمارها- على رأسها خير من الدنيا وما فيها)، وقال r عن بناء الجنة: (لَبِنة من ذهب، ولبنة من فضة، ومِلاطها المسك الأذْفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران. من يدخلها يَنْعَم ولا يَبْأس، ويخلد ولا يموت، ولا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم)، وقال r: (إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم كأشد كوكب درّي في السماء إضاءة. قلوبهم على قلب رجل واحد، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، لكل امرئ منهم زوجتان من الحور العين، يُرى مخ سُوقِهن من وراء العظم واللحم مِن الحُسْن. يسبحون الله بكرة وعشيا، لا يسقمون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخِطون، آنِيَتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ووقود مجامرهم الألوّة، ورشحهم المسك. على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم؛ ستون ذراعا في السماء).
• قال الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا
تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون))، وقال
تعالى: ((إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم))، فمن اختار ماله وولده
على ما عند الله فقد غبن وخسر خسرانا مبينا، وقال تعالى: ((كلا إن الإنسان ليطغى *
أن رآه استغنى))، وقال: ((ألهاكم التكاثر))، وقال r: (تَعِسَ عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة وعبد القطيفة؛ إن
أُعطِيَ رضي، وإن لم يُعطَ سخط. تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش). فمن قطعه ذلك عن
الله تعالى وعن أداء حقه فهو كعابد صنم. وقال r: (يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت،
أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟!)، وقال r: (ما ذئبان جائعان أُرسِلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على
المال والشرف لدينه)، وقال r: (هم
الأخسرون ورب الكعبة ... الأكثرون أموالا، إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا؛ من بين
يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، وقليلٌ ما هم). وعن يحيى بن معاذ قال: الدرهم
عقرب، فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه؛ فإنه إن لدغك قتلك سُمُّه. قيل: وما رقيته؟
قال: أخذه من حِله، ووضعه في حقه. وعنه رحمه الله قال: مصيبتان لم يسمع الأولون
والآخرون بمثلهما للعبد في ماله عند موته! قيل: وما هما؟ قال: يؤخذ منه كله، ويُسأل
عنه كله.
•
إذا لم يُشغِل العبدَ مالُه عن طاعة الله وذكره، وسخّر ما اكتسبه من مال في مرضاة
الله سبحانه كالنفقة على النفس والأهل والمحتاجين، وصرفه في وجوه الخير، وأدى ما
أوجبه الله عليه من الزكاة؛ فإن المال حينئذ خيرٌ له ونعمة عليه، فقد قال النبي r: (نعم المال الصالح للرجل الصالح). ولا تقف على وجه الجمع بين
الذم والمدح إلا بأن تعرف حكمة المال ومقصوده وآفاته حتى ينكشف لك أمره، فإنه ليس
بخيرٍ محض، ولا هو شرٌّ محض، بل هو سبب للأمرين جميعا.
% الحسد
• ذمه: اعلم أن الحسد من نتائج الحقد الذميم،
وللحسد من الفروع الذميمة ما لا يكاد يحصى، ومما ورد في ذمه قوله r: (لا تحاسدوا، ولا تقاطعوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا
عباد الله إخوانا كما أمركم الله)، وقال بعض السلف: "إن أول خطيئة كانت هي
الحسد؛ حسد إبليسُ آدمَ u
على رتبته فأبى أن يسجد له، فحمله الحسد على المعصية"، وعن ابن سيرين: "ما
حسدت أحدا على شيء من أمر الدنيا؛ لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على أمر
الدنيا وهي حقيرة في الجنة؟! وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو
يصير إلى النار؟!"، وقال بعضهم: "الحاسد لا ينال من المُجالِس إلا مَذَمَّةً
وذُلّا، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبُغضا، ولا ينال من الخلق إلا جزعا وغما،
ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالا".
• أنواعه وحكمه: الحسد نوعان:
- أحدهما: كراهة النعمة
وحب زوالها عن المنعَم عليه، وهو المقصود عند الإطلاق، وهذا محرم؛ لأن فيه تسخطا
على قضاء الله في تفضيل بعض عباده على بعض، قال الله تعالى: (( إن تمسسكم حسنة تسؤهم
وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ))، وأثنى الله على الأنصار بسلامة قلوبهم من الحسد في
قوله سبحانه: (( ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا )).
وثانيهما: عدم محبة زوالها، مع تمني مثلها، وهذا يسمى (غِبطة)،
وهو ليس محرم، بل مندوب إليه في أمور الدين، كما قال تعالى: (( وفي ذلك فليتنافس
المتنافسون ))، وقال: (( سابقوا إلى مغفرة من ربكم ))، وقال r: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلّطه على هَلَكَته
في الحق، ورجل آتاه الله علما فهو يعمل به ويعلمه الناس)، وأما تمني عين نعمة الغير
بانتقالها إليه لرغبته فيها فهو مذموم؛ لقوله تعالى: (( ولا تتمنوا ما فضل الله به
بعضكم على بعض )).
• من أسبابه:
1- ضعف الإيمان، وقلة اليقين.
2- التعلق بمتاع الدنيا الزائل، وحب الرياسة وطلب الجاه، والزهد
فيما عند الله وفي نعيم الآخرة.
3- العداوة والبغضاء.
4-
التعزُّز؛ وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه غيره.
5- خبث النفس، وشحُّها بالخير لعباد الله.
• علاجه: اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب، ولا تُداوى
أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل.
والعلاج بالعلم هو أن تتيقن أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين؛
فضرره في الدين هو أنك بالحسد سَخِطتَ قضاء الله تعالى، وكرهت نعمته التي قسمها
بين عباده وعدله الذي أقامه بحكمته في ملكه، وكذلك فإنك فارقت أولياءه وأنبياءه في
حبهم الخير لعباد الله، وشاركت إبليس والكفار في محبتهم للمؤمنين البلايا وزوال
النعم، وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب. وأما كونه
ضررا في الدنيا فهو أنك تتعذب بحسدك في الدنيا، ولا تزال في كمد وغم بكل نعمة
تراها، وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم، فتبقى مغموما ضيق الصدر، فقد نزل بك ما يشتهيه
الأعداء لك وتشتهيه لأعدائك.
وأما العلاج بالعمل فهو أن يكلف نفسه نقيض ما يتقاضاه الحسد؛
وذلك بالتواضع للمحسود، والثناء والمدح، وإظهار السرور بالنعمة، فتعود القلوب إلى
التآلف والتحاب، وبذلك تستريح القلوب من ألم الحسد وغَمِّ التباغض.
% حسن الخلق ونقيضُه
• فضله: قال الله تعالى لنبيه r مُثْنِيَاً عليه ومُظهِرا نعمته لديه: ((وإنك لعلى خلق عظيم))،
وقالت عائشة
• أسبابه: حسن الخلق يرجع إلى اعتدال قوة العقل وكمال الحكمة،
وإلى اعتدال قوة الغضب والشهوة، وكونها للعقل مُطِيعة، وللشرع أيضا. وهذا الاعتدال
يحصل من وجهين؛ أحدهما: بجودٍ إلهي وكمال فطري، والوجه الثاني: اكتساب هذه الأخلاق
بالمجاهدة والتصبر؛ وذلك بأن يتكلفه، ولا يزال يطالب نفسه به ويواظب عليه حتى يصير
ذلك طبعا له، ويتيسر عليه، وقد قال الله تعالى: ((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم
سبلنا وإن الله لمع المحسنين))، وقال r: (إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يَتَحَرَّ الخير يُعطَه،
ومن يَتَوَقَّ الشر يُوقَه).
•
طرق معرفة عيوب النفس: اعلم أن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا بصّره بعيوب نفسه،
ولكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم، يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع
في عين نفسه. فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله عدة طرق:
1- أن يجلس بين يدي شيخ فاضل صالح؛ يعرّفه بها وبطريق علاجها.
2- أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا، كما كان يفعل الأكابر من أئمة
الدين، فقد كان عمر t
يقول: "رحم الله امرءا أهدى إليَّ عيوبي"، وكان t يسأل حذيفةَ ويقول له: أنت صاحب سر رسول الله r في المنافقين؛ فهل ترى علي شيئا من آثار النفاق؟.
3- أن يستفيدها من ألسنة أعدائه؛ فإن عين السخط تبدي المساوي،
ولعل انتفاع الإنسان بعدوٍّ مُشاحِن يذكر عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن.
4- أن يخالط الناس، فكل ما رآه مذموما فيهم فليجتنب فعله، فإن
المؤمن مرآة المؤمن .
• من علامات حسن الخلق: ذَكَرَ الله تعالى في كتابه صفات
المؤمنين، وهي بجملتها ثمرة حسن الخلق، ومن ذلك قوله تعالى:(( قد أفلح المؤمنون *
الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون
* والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير
ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم لأماناتهم وعهدهم
راعون * والذين هم على صلواتهم يحافظون * أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس
هم فيها خالدون ))، وقال عز وجل: (( التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون
الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين
))، وقال سبحانه: (( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم
الجاهلون قالوا سلاما ))، فمن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات، فوجود
جميع هذه الصفات علامة حسن الخلق . ومما ورد في
السنة قوله r: (والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من
الخير)، وقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، وقال: (من كان يؤمن
بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)، وقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل
خيرا أو ليصمت)، وقال: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا)، وقالr: (لا يحل لمسلم أن يروّع مسلما).
وأولى ما يُمتحن به حسنُ الخلق: الصبر على الأذى،
واحتمال الجفا، كما ثبت عنه r في قصة الأعرابي الذي جذب البُرد حتى أثرت حاشيته في عنق النبي r، وقال: يا محمد هب لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه النبي r وضحك، ثم أمر بإعطائه. ولما أكثرت قريش إيذاءه r قال: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون). وحكي أن قيس بن عاصم
بينما هو جالس في داره إذ أتته جارية له بسفود عليه شواء، فسقط من يدها، فوقع على
ابن له صغير فمات، فدهشت الجارية، فقال لها: لا روع عليك، أنت حرة لوجه الله تعالى.
وقالت امرأة لمالك بن دينار: يا مرائي، فقال: يا هذه وجدتِ اسمي الذي أضله أهل
البصرة.
% الحقوق الزوجية
•
أولاً: حقوق الزوجة:
1-
المهر؛ لقوله تعالى: ((وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)).
2-
النفقة والكسوة والسكنى؛ لقوله تعالى: ((وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ
وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ))، وقوله r: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف).
3-
إعفاف الزوجة بالجماع؛ لعموم قوله تعالى: ((فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ
حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّه))، ولقوله r: (وفي بُضْع أحدكم صدقة) يعني: الجماع.
4-
حسن مَعاشرتها، ومعاملتها بالمعروف؛ لقوله تعالى: ((وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ))،
فيكون حَسَنَ الخلق مع زوجته، رفيقاً بها، صابراً على ما يصدر منها، محسناً الظن
بها، قال r:
(خيركم خيركم لأهله).
5-
العدل بين نسائه في المبيت والنفقة؛ للمعدِّد؛ لقوله تعالى: ((فَإِنْ خِفْتُمْ
أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً))، وعن أنس t قال: "كان للنبي r تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في
تسع".
•
ثانياً: حقوق الزوج:
حق
الزوج على زوجته أعظم من حقها عليه؛ لقوله تعالى: ((وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ
دَرَجَةٌ))، ولقوله r: (لو
كنتُ آمِراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. ولا تؤدي المرأةُ حقَّ
الله عز وجل عليها كله حتى تؤدي حق زوجها عليها كله). ومن حقوق الزوج على زوجته:
1-
حفظ سره وعدم إفشائه لأحد؛ لقوله تعالى: ((فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ
لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ)) .
2-
طاعته في المعروف؛ لقوله تعالى: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ))،
وقال r: (إذا صلت المرأة خمسها، وحصّنت
فرجها، وأطاعت بعلها؛ دخلت من أي أبواب الجنة شاءت).
3-
تمكينه من نفسها إذا دعاها إلى فراشه، ما لم يكن مانع شرعي؛ لقوله r: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان عليها؛
لعنتها الملائكة حتى تصبح).
4-
المحافظة على بيته وماله وأولاده وحسن تربيتهم؛ لقوله r: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... والمرأة راعية في بيت زوجها،
وهي مسؤولة عن رعيتها)، وقوله r:
(ولكم عليهن أن لا يُوْطِئنَ فُرُشَكُم أحداً تكرهونه).
5-
المعاشرة بالمعروف، وحسن الخلق، وكف الأذى عنه؛ لقوله r: (لا تؤذي امرأةٌ زوجَها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور
العين: لا تؤذيه قَاتَلَكِ الله؛ فإنما هو دخيل يوشك أن يفارقك إلينا).
•
ثالثاً: الحقوق المشتركة بين الزوجين:
أغلب الحقوق الماضي ذكرها حقوق مشتركة بين الزوجين، وبخاصة حق الاستمتاع، وما يتبعه من حقوق، وكذا تحسين كل من الزوجين خلقه لصاحبه، وتحمل أذاه، ومعاشرته بالمعروف، فلا يماطله بحقه، ولا يَتَكَرَّهُ لبذله، ولا يتبعه أذىً ومنةً؛ لقوله تعالى: ((وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)). كما يسن للزوج إمساك زوجته حتى مع كراهته لها؛ لقوله تعالى: ((وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)).
• قال الله تعالى: ((وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها
السماوات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ
والعافين عن الناس والله يحب المحسنين))، وقال r: (من كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه -ولو شاء أن يمضيه
أمضاه- ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة).
• وعن الحسن في قوله تعالى: ((وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما))
قال:"حلماء؛ إن جُهِل عليهم لم يجهلوا"، وعن مجاهد في آية: ((وإذا مروا
باللغو مروا كراما)) قال:"أي إذا أوذوا صفحوا".
• وعن أنس بن مالك t في قوله تعالى: ((ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي
بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو
حظ عظيم)) قال: "هو الرجل يشتمه أخوه، فيقول: إن كنتَ كاذبا فغفر الله لك،
وإن كنتَ صادقا فغفر الله لي"، وعن علي t:"ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك
ويعظم حلمك".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق