السيرة النبوية

% أحد (غزوة ...)

• كانت يوم السبت لخمس عشرة خلت من شوال في العام الثالث للهجرة، وسببها أن قريشا أرادت أن تثأر ليوم بدر، فما زالت تستعد حتى تجهزت لغزو الرسول r في المدينة، فخرجت في ثلاثة آلاف مقاتل، ما عدا الأحابيش، فيهم سبعمائة دارع ومائتا فارس، ثم ساروا حتى وصلوا بطن الوادي من قِبَل أحد مقابل المدينة.

• كان من رأي الرسول r وعدد من الصحابة ألا يخرج المسلمون إليهم، فإن هاجمهم المشركون صدوهم ، ولكن البعض -خاصة من لم يحضر معركة بدر- تحمسوا للخروج إليهم ، فنزل r عند رأيهم، ودخل بيته ولبس ملابس الحرب ثم خرج وهو متقلد سيفه، فندم الذين أشاروا عليه بالخروج إذ كانوا سببا في حمله على خلاف رأيه، وقالوا له ذلك فقال r: (ما كان ينبغي لنبي إذا لبس لَأمَتَه أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه).

• ثم خرج المسلمون في نحو ألف، بينهم مائة دارع وفَرَسَان.وقد رأى r جماعةً من اليهود يريدون أن يخرجوا مع عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين للخروج مع المسلمين، فقال: (أوَقد أسلموا؟) قالوا: لا يا رسول الله. قال: (مروهم فليرجعوا؛ فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين)، وفي منتصف الطريق انخذل عن المسلمين عبد الله بن أبي بن سلول ومعه ثلاثمائة من المنافقين، فبقي عدد المسلمين سبعمائة رجل فحسب.

• ثم مضى r حتى وصل إلى ساحة أحُد، فجعل ظهره للجبل ووجهه للمشركين، وصفّ الجيش، وجعل على كل فرقة منه قائدا، واختار خمسين من الرماة، على رأسهم عبد الله بن جبير الأنصاري، وقال لهم: (احموا ظهورنا، لا يأتونا من خلفنا، وارشقوهم بالنبل؛ فإن الخيل لا تقوم على النبل، إنا لا نزال غالبين ماثبتّم مكانكم، اللهم إني أشهدك عليهم)، وقال لهم في رواية أخرى: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هَزمنا القوم أو ظاهرناهم وهم قتلى، فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم).

• ثم ابتدأ القتال، ونصر الله المؤمنين على أعدائهم، فقَتلوا منهم عددا، ثم ولوا الأدبار، فانغمس المسلمون في أخذ الغنائم، ورأى ذلك الرماة فقالوا: ماذا نفعل وقد نصر الله رسوله؟ فتركوا أمكنتهم وذهبوا لينالوا من الغنائم، فذكّرهم رئيسهم عبد الله بن جبير بوصية الرسول r، فلم يبقَ معه إلا عشرة ، ورأى خالد بن الوليد -وكان قائد ميمنة المشركين- خُلُوَّ ظهر المسلمين من الرماة، فكَرَّ عليهم من خلفهم، فما شعر المسلمون إلا والسيوف تناوشهم من هنا وهناك، فاضطرب حبلهم.

• أشيع في هذه المعركة أن الرسول r قد قتل، ففر بعضهم عائدا إلى المدينة، واستطاع المشركون أن يصلوا إلى الرسول r، فأصابته حجارتهم حتى وقع وأغمي عليه، فشج وجهه، وخدشت ركبتاه، وجرحت شفته السفلى، وكسرت الخوذة على رأسه، ودخلت حلقتان من حلقات المغفر في وجنته، وتكاثر المشركون عليه r يريدون قتله، فثبت r وثبت معه نفر من المؤمنين، منهم: أبو دجانة، تترَّسَ على الرسول ليحميه من نبال المشركين، فكان النبل يقع على ظهره، ومنهم سعد بن أبي وقاص رمى يومئذ نحو ألف سهم، ومنهم: نسيبة أم عمارة الأنصارية، تركت سقاء الجرحى، وأخذت تقاتل بالسيف، وترمي بالنبل، دفاعا عن رسول الله r، حتى أصابها في عنقها، فجرحت جرحا عميقا، وكان معها زوجها وابناها، فقال لهم r: (بارك الله عليكم أهل بيت)، فقالت له نسيبة: ادع الله أن نرافقك في الجنة، فقال: (اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة) فقالت  بعد ذلك: "ما أبالي ما أصابني من أمر الدنيا"، وقد قال r في حقها: (ما التفتُّ يمينا وشمالا يوم أحد إلا ورأيتها تقاتل دوني)، وقد جرحت يومئذ اثني عشر جرحا، ما بين طعنة برمح وضربة بسيف.

• حاول أبيّ بن خلف في ساعة الشدة هذه أن يصل إلى الرسول r ليقتله، فأخذ r حربة ممن كانوا معه، فسددها في نحره، فكانت سبب هلاكه، وهو الوحيد الذي قتله r في جميع معاركه الحربية. ثم استطاع r النهوض على أكتاف طلحة بن عبيد الله، فنظر إلى المشركين، فرأى جماعة منهم على ظهر الجبل، فأرسل من ينزلهم قائلا: (لا ينبغي لهم أن يعلونا، اللهم لا قوة لنا إلا بك) وانتهت المعركة.

• ممن قتل في هذه المعركة حمزة عم الرسول r، ومثّلت به هند زوج أبي سفيان، وقد حزن r لمشهده حزنا عظيما، فقال: (لئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثّلنّ بثلاثين رجلا منهم)، ولكن الله نهى عن المُثْلة بعد ذلك. وقد بلغ عدد قتلى المسلمين في هذه المعركة نحوا من السبعين، وقتلى المشركين ثلاثة وعشرين.

• أنزل الله تعالى في هذه المعركة عدة آيات يضمد بها جراح المؤمنين، وينبههم إلى سبب الهزيمة التي حلت بهم، منها قوله تعالى: ((ولا تِهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم اللهُ الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين * أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين))، ثم يقول بعد آيات: ((ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين * إذ تُصعِدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون)).


% الأحداث منذ الهجرة حتى استقراره r في المدينة

• علمت قريش بإسلام فريق من أهل المدينة، فاشتد أذاها للمؤمنين بمكة، فأمرهم النبي r بالهجرة إلى المدينة، فهاجروا مستخْفِين.

• ولما أيقنت قريش أن المسلمين قد أصبحوا في المدينة في عزة ومنعة، عقدت مؤتمرا في دار الندوة للتفكير في القضاء على الرسول r نفسه، فاستقر رأيهم على أن يتخيروا من كل قبيلة منهم فتى جلدا، فيقتلوه جميعا، فيتفرق دمه في القبائل، ولا يقدر بنو مناف على حربهم جميعا،فيرضوا بالدية. وهكذا اجتمع الفتيان الموكلون بقتله r على بابه ليلة الهجرة ينتظرون خروجه ليقتلوه.

• لم ينَم الرسول r تلك الليلة على فراشه، وإنما طلب من علي t أن ينام مكانه، وأمره إذا أصبح أن يرد ودائع المشركين إلى أصحابها، وغادر r بيته دون أن يشاهده الموكّلون بقتله، وذهب إلى بيت أبي بكر t، وكان قد هيأ من قبل راحلتين له وللرسول r، فعزما على الخروج، واستأجر أبو بكر t عبدَ الله بن أريقط -وكان مشركا- ليدلّهما على طريق المدينة، على أن يتجنب الطريق المعروفة إلى طريق أخرى لا يهتدي إليها كفار قريش.

• خرج r وأبو بكر يوم الخميس أول يوم من ربيع الأول لسنة ثلاث وخمسين من مولده r، ولم يعلم بأمر هجرته إلا علي وآل أبي بكر y، وعملت عائشة وأسماء بنتا أبي بكر في تهيئة الزاد لهما. واتجه الرسول r وأبو بكر t مع دليلهما من طريق اليمن حتى وصلا إلى «غار ثور»، فكَمِنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام حاذق، فيخرج من عندهما بالسَحَر، ويصبح مع قريش بمكة كأنه كان نائما فيها، فلا يسمع من قريش أمرا يبيّتونه لهما إلا وعاه، حتى يأتيهما في المساء بخبره.

• قامت قيامة قريش لنجاة الرسول r من القتل، وخرجوا يطلبونه من طريق مكة المعتاد، فلم يجدوه واتجهوا إلى طريق اليمن، ووقفوا عند فم غار ثور ، وأبو بكر t يرى أقدامهم فيرتعد خوفا على حياة الرسول r ويقول له: والله يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا، فيطمئنه الرسول r بقوله: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟).

• أرسلت قريش في القبائل تطمِّع كل من يعثر على الرسول r وصاحبه أو يقتله أو يأسره؛ بدفع مائة ناقة له، فانتدب لذلك سراقة بن مالك ، وأخذ على نفسه أن يتفقدهما ليظفر وحده بالجائزة.

• بعد أن انقطع طلبهما خرجا من الغار مع دليلهما، وأخذا طريق الساحل، وقطعا مسافة بعيدة، أدركهما من بعدها سراقة، فلما اقترب منهما ساخت قوائم فرسه في الرمل فلم تقدر على السير، عندئذ أيقن أنه أمام رسول كريم، فطلب من الرسول r أن يَعِدَهُ بشيء إن نصره، فوعده بسواري كسرى يلبسهما، ثم عاد سراقة إلى مكة فتظاهر بأنه لم يعثر على أحد.

• وصل الرسول r وصاحبه المدينة في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول بعد طول انتظار أصحابه له، يخرجون كل صباح إلى مشارف المدينة، فلا يرجعون إلا حين تحمى الشمس وقت الظهيرة.

• كان r وهو في طريقه إلى المدينة قد وصل إلى «قباء» فأسس فيها أول مسجد بني في الإسلام، وأقام فيها أربعة أيام. ثم سار صباح الجمعة إلى المدينة، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف، فأقام فيها أول جمعة في الإسلام. ثم سار إلى المدينة، فلما وصلها اختار المكان الذي بركت فيه ناقته ليكون مسجدا له، وكان المكان لغلامين يتيمين من الأنصار، فسألهما عن ثمنه، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى إلا أن يبتاعه منهما بعشرة دنانير ذهبا أداها من مال أبي بكر، ثم ندب المسلمين للاشتراك في بناء المسجد، فأسرعوا إلى ذلك، وكان r ينقل معهم اللَّبِن (الطوب)، حتى تم بناء المسجد؛ جدرانه من لَبِن، وسقفه من جريد النخل، مقاما على الجذوع.

• ثم كان أن آخى النبي r بين المهاجرين والأنصار، فجعل لكل أنصاري أخا من المهاجرين، فكان الأنصاري يذهب بأخيه المهاجر إلى بيته، فيعرض عليه أن يقتسم معه كل شيء في بيته.

• ثم كتب r كتابا بين المهاجرين والأنصار يتضمن أسس الدولة الإسلامية، وفيها كمال الإنسانية والعدالة والتسامح، وقد وادع فيه اليهود، وأقرهم على دينهم وأموالهم.


% الأحزاب (غزوة ...)

  • وتسمى غزوة "الخندق"، وقد وقعت في شوال من السنة الخامسة للهجرة، وسببها: أنه لما تم إجلاء بني النضير، قدم عدد من حلفائهم إلى مكة يحرضون قريشا على قتال الرسول r، فأجابت قريش لذلك، ثم ذهب رؤساء اليهود إلى غطفان، فاستجابت لهم بنو فزارة وبنو مُرّة وأشجع، واتجهوا نحو المدينة، فلما سمع النبيr بخروجهم استشار أصحابه، فأشار عليه سلمان بحفر خندق حول المدينة، فأمر r بحفره، وعمل فيه بنفسه، ولما وصلت قريش ومن معها من الأحزاب أذهلها ما رأت من أمر الخندق، إذ لا عهد للعرب بمثله، وكانت عدتهم عشرة آلاف، وعدة المسلمين ثلاثة آلاف.

• كان حييّ بن أخطب أحد اليهود الذين هيجوا قريشا والأحزاب ضد المسلمين، وقد ذهب إلى كعب بن أسد -سيد بني قريظة- يطلب إليه نقض عهد السلم بينه وبين المسلمين، وفكر النبي r في مصالحة بني قريظة على ثلث ثمار المدينة، ولكن الأنصار رفضوا اعتزازا بدينهم ، وبدأ القتال باقتحام بعض فرسان المشركين للخندق ، فقاتلهم المسلمون ، ثم جاء نُعيم بن مسعود إلى الرسول r، فأخبره أنه قد أسلم، وأن قومه لا يعلمون بإسلامه، وأنه صديق لبني قريظة يأتمنونه ويثقون به، وقال للرسول r: مرني بما شئت. فقال له الرسول: (إنما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة)، فاستعمل نعيم دهاءه حتى فرق بين قريش وحلفائها، وبين بني قريظة، وأوقع في نفوس كل من الفريقين الشك في الآخر.

• أرسل الله على الأحزاب ريحا شديدة في ليلة شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفئ قدورهم وتمزق خيامهم، فامتلأت نفوس الأحزاب بالرعب ورحلوا في تلك الليلة، فلما أصبح الصباح نظر المسلمون فلم يروا أحدا. وفي هذه الغزوة أنزل الله تعالى قوله: ((يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا))، ثم قال سبحانه: ((ورَدّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا)).



% أخلاق النبي r وخِلقته ومعجزاته

• تأديب الله تعالى صفيَّه محمداً صلوات الله وسلامه عليه بالقرآن:

 كان رسول الله r كثير الضراعة والابتهال، دائم السؤال من الله تعالى أن يزينه بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق، فكان يقول في دعائه: (اللهم كما حسنت خَلْقي فحسن خُلُقي)، ويقول: (اللهم جنبني منكرات الأخلاق)، فاستجاب الله تعالى دعاءه؛ وفاء بقوله عز وجل: ((ادعوني أستجب لكم))، فأنزل عليه القرآن وأدّبه، فكان خلقه القرآن، وإنما أدبه القرآن بمثل قوله تعالى: ((خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين))، وقوله: ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي))، وقوله: ((واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور))، وقوله: ((فاعفُ عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين))، وقوله: ((ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم))، وقوله: ((والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس))، وقوله: ((اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا))، وأمثال هذه التأديبات في القرآن كثيرة جدا، وهو عليه الصلاة والسلام المقصود الأول بالتأديب والتهذيب، ثم منه يشرق النور على كافة الخلق، فإنه أُدِّب بالقرآن وأَدَّب الخلق به، ولذلك قال r: (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق). ثم لما أكمل الله تعالى خُلُقه أثنى عليه فقال: ((وإنك لعلى خلق عظيم)). ولقد بين صلوات الله وسلامه عليه للخلق أن الله يحب مكارم الأخلاق ويبغض سفسافها، ومن مكارم الأخلاق حسن المعاشرة، وكَرَم الصنيعة، ولين الجانب، وبذل المعروف، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، وعيادة المريض المسلم، وتشييع الجنازة، وحسن الجوار مسلما كان أو كافرا، وتوقير ذي الشيبة المسلم، وإجابة الطعام والدعاء عليه، والعفو، والإصلاح بين الناس، والجود والكرم، والسماحة، وكظم الغيظ، واجتناب المحارم؛ كالغيبة، والكذب، والبخل والشح، والجفاء، والمكر، والخديعة، والنميمة، وسوء ذات البين، وقطيعة الأرحام، وسوء الخلق، والتكبر، والفخر، والاختيال، والاستطالة، والبذخ، والفحش والتفحش، والحقد، والحسد، والطيرة، والبغي، والعدوان، والظلم...، ويكفي من ذلك كله هذه الآية: ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)).

• جُمَل من محاسن أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه:

 كان r أحلم الناس، وأشجع الناس، وأعدل الناس، وأعَفّ الناس، لم تمس يده قط يد امرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها أو تكون ذات محرم منه، وكان أسخى الناس، لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه فقط، ويضع سائر ذلك في سبيل الله، لا يُسأل شيئا إلا أعطاه، ثم يعود على قوت عامه فيؤثر منه، حتى إنه ربما احتاج قبل انقضاء العام فاستقرض. وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله. وكان أشد الناس حياء، لا يثبت بصره في وجه أحد، ويجيب دعوة الحر والعبد، ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن، ويكافئ عليها، ويأكلها ولا يأكل الصدقة، ولا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين. يغضب لربه ولا يغضب لنفسه. وكان يعصب الحجر على بطنه من الجوع، يأكل ما حضر، ولا يرد ما وجد، إن وجد تمرا دون خبز أكله، وإن وجد شواء أكله، وإن وجد خبز بر أو شعير أكله، وإن وجد حلواء أو عسلا أكله، وإن وجد لبنا دون خبز اكتفى به، وإن وجد بطيخا أو رطبا أكله. لا يأكل متكئا، ولا على خوان، لم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام متوالية حتى لقي الله تعالى؛ إيثارا على نفسه لا فقرا ولا بخلا. وكان r أشد الناس تواضعا، وأسكَتَهم في غير كِبر، وأبلغهم في غير تطويل، وأحسنهم بِشرا. لا يهوله شيء من أمور الدنيا، خاتمه من فضة يلبسه في خنصره الأيمن والأيسر، يركب الحمار، ويردف خلفه عبده أو غيره، يعود المرضى في أقصى المدينة، يحب الطيْب، ويجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، ويكرم أهل الفضل، ويتألف أهل الشرف بالبر لهم، يصل رحمه، ولا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذر إليه، يمزح ولا يقول إلا حقا، ضحكه التبسم من غير قهقهة، يرى اللعب المباح فلا ينكره، يسابق أهله، وتُرفع الأصوات عليه من الجفاة فيصبر، لم يرتفع على عبيده في مأكل ولا ملبس. لا يمضي له وقت في غير عمل لله تعالى، أو فيما لا بد له منه من صلاح نفسه، يخرج إلى بساتين أصحابه، لا يحتقر مسكينا لفقره، ولا يهاب ملكا لملكه. قد جمع الله تعالى له السيرة الفاضلة والسياسة التامة وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، نشأ في بلاد الجهل والصحاري، في فقر وفي رعاية الغنم، يتيما لا أب له ولا أم، فعلمه الله تعالى جميع محاسن الأخلاق والطرق الحميدة، وأخبار الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز في الآخرة، والغبطة والخلاص في الدنيا. وفقنا الله لطاعته في أمره، والتأسي به في فعله r.

• بيان جملة أخرى من آدابه وأخلاقه r:

 عن عائشة : أنه r ما لعن مسلما مِن لعنةٍ تُذكر، ولا ضرب بيده شيئا قط إلا أن يضرب بها في سبيل الله، ولا سئل عن شيء قط فمنعه إلا أن يُسأل مأثما فإنه كان أبعد الناس منه، ولا انتقم لنفسه من شيء قط يؤتى إليه إلا تنتهك حرمات الله فيكون لله ينتقم، ولا خُير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما. وقال أنس t: "خدمت النبي r عشر سنين، فما أمرني بأمر ثم أتيت غيره أو ضيعته فلامني، فإن لامني بعض أهله إلا فقال: (دعوه؛ فإنه لو قُدِّر كان، أو قضي أن يكون كان). وكان من خلقه r أن يبدأ من لقيه بالسلام، ومن قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف. وكان إذا لقي أحدا من أصحابه بدأه بالمصافحة، وكان لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر الله، ولم يكن يُعرف مجلسه من مجلس أصحابه؛ لأنه كان يجلس حيث انتهى به المجلس. وكان يكرم من دخل عليه، حتى ربما بسط له ثوبه يجلسه عليه، وكان يوثِر الداخل عليه بالوسادة التي تحته، وكان يعطي كل من جلس إليه نصيبه من وجهه، قال تعالى: ((فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)). ولقد كان يدعو أصحابه بكُناهم؛ إكراما لهم واستمالة لقلوبهم، ويكني من لم تكن له كنية، فكان يدعى بما كناه بها، ويكني أيضا النساء اللاتي لهن الأولاد واللاتي لم يلدن، ويكني أيضا الصبيان فيستلين به قلوبهم. وكان أبعد الناس غضبا وأسرعهم رضا، وكان أرأف الناس بالناس، وخير الناس للناس، وأنفع الناس للناس، ولم تكن تُرفع في مجلسه الأصوات، وكان إذا قام من مجلسه قال: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك).

• كلامه وضحكه صلوات الله وسلامه عليه:

 كان r أفصح الناس منطقا، وأحلاهم كلاما، وكان يتكلم بجوامع الكلم، لا فضول ولا تقصير، يحفظه سامعه ويعيه، وكان لا يتكلم في غير حاجة، ولا يقول في الرضا والغضب إلا الحق، ويعرض عمن تكلم بغير جميل، ويكني عما اضطره الكلام إليه مما يكره. وكان أكثر الناس تبسما في وجوه أصحابه، ولربما ضحك حتى تبدو نواجذه.

• عفوه r مع القدرة:

 كان عليه الصلاة والسلام أحلم الناس، وأرغبهم في العفو مع القدرة، فقد كان في حرب فرأى رجلٌ من المشركين في المسلمين غِرة، فجاء حتى قام على رأس رسول الله r بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ فقال: (الله)، فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله السيف وقال: (من يمنعك مني؟)، فقال: كن خير آخِذ، قال: (قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، فقال: لا، غير أني لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فجاء أصحابَه فقال: جئتكم من عند خير الناس. وكم استؤذن r في قتل من أساء إليه وقيل: دعنا يا رسول الله نضرب عنقه، وهو يأبى وينهى، ثم يقبل معذرة المعتذر إليه، وربما قال: (رحم الله أخي موسى؛ قد أوذي بأكثر من هذا فصبر)، وكان r يقول: (لا يبلّغني أحدٌ منكم عن أحد من أصحابي شيئا؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر).

• إغضاؤه صلوات الله وسلامه عليه عما كان يكرهه:

 كان r رقيق البشرة، لطيف الظاهر والباطن، يُعرف في وجهه غضبه ورضاه، وكان لا يشافه أحدا بما يكرهه، بال أعرابي في المسجد بحضرته، فَهَمَّ به الصحابة، فقال r: (لا تُزرِموه) أي لا تقطعوا عليه البول، ثم قال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا).

• سخاؤه وجُوده r:

 كان صلوات الله عليه أجود الناس وأسخاهم، وكان في شهر رمضان كالريح المرسلة لا يمسك شيئا، وكان علي t إذا وصف النبي r قال: "كان أجود الناس كفا، وأوسع الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عِشرة. مَن رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفةً أحبه. يقول ناعِتُه: لم أرَ قبله ولا بعده مثله". وما سئل عن شيء قط إلا أعطاه، وإن رجلا أتاه فسأله، فأعطاه غنما سَدّت ما بين جبلين، فرجع إلى قومه وقال: أسلِموا؛ فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، وما سئل شيئا قط فقال: لا. ولما قفل من حنين جاءت الأعراب يسألونه، حتى اضطروه إلى شجرة، فخُطفت رداؤه، فوقف رسول الله r وقال: (أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاة نَعَما لقسمتها بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا).

• شجاعته r:

 كان صلوات الله عليه أكرم الناس وأشجعهم، قال علي t: "لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي r وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا"، وقال أيضا: "كنا إذا احْمَرَّ البأس ولقي القومُ القومَ اتّقينا برسول الله r، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولما غشيه المشركون نزل عن بغلته فجعل يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) فما رئي يومئذ أحد أشد منه".

• تواضعه صلوات الله وسلامه عليه:

 كان r أشد الناس تواضعا في علو منصبه، وكان يركب الحمار موكفا عليه قطيفة، وكان مع ذلك يستردف، وكان يعود المريض، ويتبع الجنازة، ويجيب دعوة المملوك، ويخصف النعل، ويرقع الثوب، وكان يعمل في بيته مع أهله في حاجتهم، وكان أصحابه لا يقومون له؛ لما عرفوا من كراهته لذلك، وكان يمر على الصبيان فيسلم عليهم، وكان يجلس بين أصحابه مختلطا بهم كأنه أحدهم، فيأتي الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل عنه، وكانوا يتناشدون الشعر بين يديه أحيانا ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية ويضحكون فيتبسم عليه الصلاة والسلام.

• خِلقته الكريمة صلوات الله وسلامه عليه:

 كان r ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وكان أزهر اللون، ولم يكن بالآدم ولا الشديد البياض، وكان شعره ليس بالسبط ولا الجعد، وشعر رأسه يضرب إلى شحمة أذنيه، لم يبلغ شَيبُهُ عشرين شعرة بيضاء في رأسه ولا في لحيته. وكان r واسع الجبهة، أزج الحاجبين، سابغهما، أهدب الأشفار، مفلج الأسنان، كث اللحية، وكان يعفي لحيته، ويأخذ من شاربه، وكان عظيم المنكبين، بين كتفيه خاتم النبوة، وكان إذا مشى كأنما يتقلع من صخر ويتحدر من صبب عليه الصلاة والسلام.

• طائفة من معجزاته صلوات الله وسلامه عليه:

 اعلم أن مَن شاهد أحواله r، وأصغى إلى سماع أخباره المشتملة على أخلاقه وأفعاله وأحواله وعاداته وسجاياه، وسياسته لأصناف الخلق، وهدايته إلى ضبطهم، وتألفه أصناف الخلق، وقَوده إياهم إلى طاعته، مع ما يروى من عجائب أجوبته في مضايق الأسئلة وبدائع تدبيراته في مصالح الناس، ومحاسن إشاراته في تفصيل ظاهر الشرع، الذي يعجز العقلاء عن إدراك أوائل دقائقها في طول أعمارهم؛ لم يبقَ له ريب ولا شك في أن ذلك استمداد من تأييد سماوي وقوة إلهية، وأن ذلك كله لا يتصور لمُفْتَرٍ ولا ملبِّس، بل كانت شمائله وأحواله r شواهد قاطعة بصدقه، حتى إن العربي القحّ كان يراه فيقول: "والله ما هذا وجه كذاب"، فكان يشهد له بالصدق بمجرد شمائله، فكيف من شاهد أخلاقه ومارس أحواله في جميع مصادره وموارده!؟ وإنما أوردنا بعض أخلاقه لتُعرف محاسن الأخلاق، وليُتنبّه لصدقه r وعلو منصبه ومكانته العظيمة عند الله؛ إذ آتاه الله جميع ذلك وهو أمي لم يمارس العلم، ولم يطالع الكتب ولم يسافر قط في طلب علم، فمن أين حصل له هذا العلم ومحاسن الأخلاق وفضائل الآداب لولا صريح الوحي؟! ومن أين لقوة البشر الاستقلال بذلك، فلو لم يكن له إلا هذه الأمور الظاهرة لكفى، وقد ظهر من آياته ومعجزاته ما لا يستريب فيه أحد، فلنذكر من جملتها ما استفاضت به الأخبار من غير تطويل، فنقول: استفاض أنه r أطعم النفر الكثير من الطعام القليل في منزل جابر t ومنزل أبي طلحة t ويوم الخندق، ومرة أطعم أكثر من ثمانين رجلا من أقراص شعير حملها أنس في يده فأكلوا كلهم حتى شبعوا من ذلك وفضل لهم. ونبع الماء من بين أصابعه صلوات الله وسلامه عليه فشرب أهل العسكر كلهم وهم عطاش. وتوضؤوا من قدح صغير ضاق عن أن يبسط r يده فيه. وأراق وضوءه في عين تبوك ولا ماء فيها، ومرة أخرى في بئر الحديبية فجاشتا بالماء، فشرب من عين تبوك أهل الجيش -وهم ألوف - حتى رووا، وشرب من بئر الحديبية ألف وخمسمائة ولم يكن فيها قبل ذلك ماء. ورمى صلوات الله وسلامه عليه جيش العدو بقبضة من تراب فعميت عيونهم، ونزل بذلك القرآن في قوله تعالى: ((وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)). وحَنَّ إليه الجذع الذي كان يخطب عليه لمّا عُمِل له المنبر، حتى سُمع من الجذع كأنين الصبي الذي يُسَكَّت، فضمه إليه فسكن. ودعا اليهود إلى تمني الموت، وأخبرهم بأنهم لا يتمنونه، فحِيل بينهم وبين تمنيه كما أخبر. وأخبر r ببعض الغيوب التي أطلعه الله عليها؛ فأنذر عثمان t بأن بلوى تصيبه بعدها الجنة، وبأن عمارا تقتله الفئة الباغية، وأن الحسن يصلح الله به بين فئتين من المسلمين عظيمتين، وأخبر r عن رجل قاتل في سبيل الله أنه من أهل النار، فظهر ذلك عندما قتل الرجل نفسه، واتّبعه سراقة بن مالك فساخت قدما فرسه في الأرض، حتى استغاثه فدعا له فانطلق الفرس، وأنذره بأن سيوضع في يده سوارَي كسرى فكان كذلك، وأخبر بمقتل الأسود العنسي الكذاب ليلة قتله وهو بصنعاء اليمن، وأخبر بمن قتله. وأُطعِم عليه الصلاة والسلام السم فمات الذي أكله معه وعاش هو r بعده أربع سنين، وكلمه الذراع المسموم. وأخبر r بمصارع صناديد قريش، وَوَقَفَهم على مصارعهم رجلا رجلا، فلم يتعدَّ واحد منهم ذلك الموضع. وأنذر r بأن طوائف من أمته يغزون في البحر، فكان كذلك. وزُويت له الأرض، فأُرِيَ مشارقها ومغاربها، وأخبر بأن مُلْكَ أمته سيبلغ ما زوي له منها فكان كذلك، فقد بلغ ملكهم من أول المشرق من بلاد الترك إلى آخر المغرب من بحر الأندلس وبلاد البربر. وأخبر ابنته فاطمة بأنها أول أهله لحوقا به فكان كذلك، وأخبر نساءه أن أطولهن يدا أسرعهن لحوقا به –أي موتا-، فكانت زينب أطولهن يدا بالصدقة وأولهن لحوقا به r. ومسح ضرع شاة لا لبن لها فدَرَّت. وندرت عين بعض أصحابه فردها r بيده، فكانت أصح عينيه وأحسنهما. وتفل في عين علي t وهو أرمد يوم خيبر فصح من وقته، وبعثه بالراية... إلى غير ذلك من معجزاته r، والتي على رأسها القرآن الكريم، وهو المعجزة الكبرى الباقية بين الخلق، وليس لنبي معجزة باقية سواه r، إذ تحدى بها رسول الله r بلغاء الخلق وفصحاء العرب، وجزيرة العرب حينئذ مملوءة بآلاف منهم، والفصاحة صنعتهم، وبها منافستهم ومباهاتهم، وكان ينادي بين أظهرهم أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة من مثله إن شكّوا فيه، وقال لهم: ((قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا)). فأعظِمْ بغباوة من ينظر في أحواله r ثم في أقواله ثم في أفعاله ثم في أخلاقه ثم في معجزاته، ثم في استمرار شرعه إلى الآن، ثم في انتشاره في أقطار العالم، ثم في إذعان ملوك الأرض له في عصره وبعد عصره؛ ثم يتمارى بعد ذلك في صدقه! فما أعظم توفيق من آمن به وصدّقه واتبعه في كل ورد وصدر. فنسأل الله أن يوفقنا للاقتداء به صلوات الله وسلامه عليه في أخلاقه وأفعاله وأحواله وأقواله، بمنه وسعة رحمته وجوده سبحانه وتعالى.


% الإسراء والمعراج

• الإسراء يراد به: الذهاب برسـول الله r مـن المسجد الحرام بمكة إلى بيت المقدس بإيليا، ورجوعه من ليلته.

• والمعراج: هو صعود النبي r بصحبة جبريل u من بيت المقـدس إلى السماء الدنيا، ثم إلى باقي السماوات حتى السماء السابعة، ورؤية الأنبيـاء –عليهم السلام- في السماوات على منازلهم، وتسليمه عليهم وترحيبهم به، ثم صعوده إلى سـدرة المنتهى، ورؤيته جبريل عندها على الصورة التي خلقه الله عليها، ثم فَرْضُ الله عليه الصلوات الخمس تلك الليلة، وتكليم الله له بذلك، ثم نـزوله إلى الأرض.

• كان المعراج ليلة الإسراء على الصحيح. وهما آيتان عظيمتان، ومعجزتان باهرتان من معجزاته r، اختصه الله تعالى بهما.

• قال تعالى: ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا))، وقال سبحانه: ((أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى)). وقال r: (أُتِيتُ بالبراق، وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرْفه، فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبيـاء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل u بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقـال جـبريل r: اخـترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل...) الحديث .

• والإسراء والمعراج كانا بـروح النبي r وجسده، يقظة لا مناما. فهذا هو الذي دلت عليـه النصوص الصحيحة، وعليه عامة الصحابة، وأئمة أهل السنة، والمحققين من أهل العلم.

• تنبيه: لا يشرع للمسلم الاحتفال بذكرى الإسراء والمعـراج، كما لا تشرع لهما صلاة خاصة ، بل كـل ذلك بدع منكرة لم يشرعها النبي r، ولم يفعلها أحد من السلف، ولم يقـل بها أحد ممن يقتدى به في العلم. وقد بين العلماء من أهل السنة أن صلاة ليلة سبع وعشرين من شـهر رجب وأمثالها من البدع التي أُحدثت في دين الله، وأنه عمل غير مشروع باتفاق أئمة الإسلام، وقد قال r: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي مردود عليه.


% بدر (غزوة ...)

• بلغت غزواته r -وهي التي حضرها بنفسه- ستا وعشرين غزوة، وبلغت سراياه –وهي التي لم يحضرها- ثمانيا وثلاثين سرية.

• كانت غزوة بدر الكبرى في اليوم السابع عشر من رمضان للسنة الثانية من الهجرة، وسببها أن النبي r ندب أصحابه للتعرض لقافلة قريش العائدة من الشام إلى مكة، ولم يكن يريد قتالا، ولكن القافلة التي كان يقودها أبوسفيان نجت بعد أن أرسل إلى قريش يستنفرها لحماية القافلة، فخرجوا في ألف مقاتل، ومائة فرس وسبعمائة بعير، أما المسلمون فكانت عدتهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان معهم سبعون جملا، وفَرَسان أو ثلاثة.

• قبل أن يخوض النبي r المعركة أراد أن يستشير أصحابه -وخاصةً الأنصار- في خوض المعركة، فأشار عليهم المهاجرون بخوضها، وتكلموا خيرا، ثم علم الأنصار أنه يريدهم، فقال له سعد بن معاذ t-وهو سيد الأنصار جميعا- كلاما سُرّ به r، وكان مما قال: "فامضِ يارسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد"، وقال غيره مثل ذلك، فقال r: (سيروا على بركة الله، وأبشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين؛ إما العير وإما النفير).

• ثم سار r حتى وصل أدنى ماء من بدر فنزل به، فقال الحباب بن المنذر: يارسول الله، هذا منزل أنزلكه الله تعالى؛ لا تتقدمه ولا تتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال r: (بل هو الرأي والحرب والمكيدة)، فأشار عليه الحباب أن يسير إلى مكان آخر هو أصلح وأمكن للمسلمين من قطع ماء بدر عن المشركين، فنهضوا إليه، ثم أشار سعد بن معاذ أن يبني للرسول r عريشا وراء صفوف المسلمين، فإنْ أعزهم الله كان ما أحب، وإلا جلس على ركائبه ولحق بمن في المدينة، فقبل r بذلك.

• لما التقى الجمعان أخذ r يسوي صفوف المسلمين، ويحرضهم على القتال، ويرغّبهم في الشهادة، ورجع إلى عريشه ومعه أبو بكر، ويحرسه سعد بن معاذ متوشحا بسيفه، وأخذ r في الدعاء، وأطال حتى قال له أبو بكر: "حسبك، فإن الله سينجز لك وعدك"، ثم حمي القتال، وانتهت المعركة بانتصار المسلمين. وقد قُتل من المشركين نحو من السبعين، فيهم أبو جهل وبعض زعمائهم، وأُسِر منهم نحو السبعين. ثم أمر r بدفن القتلى جميعا، وعاد إلى المدينة. ثم استشار أصحابه في أمر الأسرى، فأشار عليه عمر بقتلهم، وأشار عليه أبو بكر بفدائهم، فقبل r مشورة أبي بكر، وافتدى المشركون أسراهم بالمال. ثم أنزل الله العتاب لرسوله r على قبوله فداء الأسرى: ((ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم * فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم)).

• نزل في معركة بدر آيات من كتاب الله الكريم، منها قوله تعالى في سورة آل عمران: ((ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزَلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين * وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم * ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين)).


% بعث أسامة t

• كان آخر ما فعله رسول الله r لنشر الدعوة وحمايتها ورد غارة المعتدين على الدولة الجديدة والمتربصين بها أن جهز جيشا الى الشام تحت قيادة أسامة بن زيد t، وأمره أن يُوطِئ الخيل تُخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، وقد كان في هذا الجيش جميع المهاجرين والأنصار ومن كان حول المدينة من المسلمين، لم يتخلف منهم أحد.

• لما كان الجيش في ظاهر المدينة يتأهب للمسير ابتدأ مرضه r الذي توفي فيه، فتوقف الجيش عن السير انتظارا لشفاء الرسول r، ورغبة في تلقي تعاليمه وهديه، ولكنه r توفي بعد أيام، واختاره الله إلى جواره بعد أن أدى الأمانة وبلغ الرسالة، وهيأ جزيرة العرب كلها لحمل لواء الاسلام، فجزاه الله عن أمته خير الجزاء، وقد قضى الله أن يكون هذا أول بعث يُنفذ في خلافة أبي بكر الصديق t.

 

% بنو النضير (غزوة ...)

• بنو النضير قوم من اليهود يجاورون المدينة، وكانوا حلفاء للخزرج، وبينهم وبين المسلمين عهد سِلمٍ وتعاون ، ولكن طبيعة الشر والغدر المتأصلة في اليهود أبت إلا أن تحملهم على نقض عهدهم، فبينما كان r وبعض أصحابه في بني النضير -وقد استند إلى جدار من بيوتهم- إذ تآمروا على قتله بإلقاء صخرة عليه من ظهر البيت، فعلم r بذلك فنهض سريعا كأنه يهِمّ بحاجة، فتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحابه، ثم أرسل إليهم محمد بن مسلمة أن اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها؛ وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، ثم أمهلهم r عشرة أيام للخروج.

• تجهز بنو النضير للخروج ولكن عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين أرسل إليهم ينهاهم عن الخروج، ويَعِدُهم بإرسال ألفين من جماعته يدافعون عنهم، فعدلوا عن النزوح، وتحصنوا في حصونهم، وأرسلوا إلى رسول الله r: "إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك". فخرج إليهم r في أصحابه يحمل لواءه علي بن أبي طالب، فلما رآهم اليهود أخذوا يرمونهم بالنبل والحجارة، ولم يصل إليهم المدد الذي وعدهم به رأس المنافقين، فحاصرهم r، فصبروا فاضطر إلى قطع نخيلهم، فقالوا عندئذ: "نخرج من بلادك". واشترط عليهم r ألا يُخرِجوا معهم السلاح، ولهم أن يُخرِجوا معهم من أموالهم ما حملته الإبل، ودماؤهم مصونة لا يسفك منها قطرة. فلما أرادوا الخروج أخذوا كل شيء يستطيعونه، وهدموا بيوتهم كيلا يستفيد منها المسلمون، وساروا، فمنهم من نزل خيبر ، ومنهم من نزل «جرش» جنوب الشام، ولم يُسلِم منهم إلا اثنان.

• نزلت في هذه الغزوة سورة (الحشر)، ومنها قوله تعالى: ((هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار * ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار * ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب)).

 

% بنو قريظة (غزوة ...)

• وقعت في السنة الخامسة للهجرة عقب غزوة الأحزاب، وذلك أن رسول الله r بعد أن رأى ما انطوت عليه نفوس يهود بني قريظة من اللؤم والغدر والتحزب مع قريش وحلفائها، وإعلانها نقض عهدها معه؛ رأى r أن يؤدب هؤلاء الخائنين الغادرين، وروى البخاري عن عائشة :"أن رسول الله r لما رجع يوم الخندق ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار فقال: وضعتَ السلاح؟! فوالله ما وضعتُه، قال: فأين؟ قال: ههنا، وأومأ إلى بني قريظة، قالت: فخرج إليهم رسول الله r".

• ثم أمر r من ينادي في الناس بأن لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة، ثم خرج فيهم وقد حمل رايته علي t، وقد اجتمع من المسلمين ثلاثة آلاف، ومن الخيل ست وثلاثون، فلما دنا علي من حصن بني قريظة سمع منهم مقالة قبيحة في حقه r وحق أزواجه، ثم أخذ المسلمون في حصارهم خمسا وعشرين ليلة، فلما ضاق بهم الأمر نزلوا على حكم رسول الله r، فحكم فيهم سعد بن معاذ سيد الأوس، وكان بنو قريظة حلفاء الأوس، فحكم سعد بأن تُقتل مقاتِلتهم (المقاتِلون)، وأن تسبى ذراريهم، وأن تقسم أموالهم، فنفذ الرسول r حكمه، وبذلك قضى على مؤامرات اليهود ودسائسهم.

• في هذه الغزوة نزلت آيات كريمات في سورة الأحزاب، منها قوله تعالى : ((وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا * وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديرا)).


% تبوك (غزوة ...)

• تسمى غزوة العسرة، وكانت في رجب سنة تسع من الهجرة، وسببها أن الروم جمعت جموعا كثيرة بالشام ضمت قبائل من نصارى العرب، وكان قَصْدُ هرقل من ذلك؛ الهجوم على المدينة، والقضاء على الدولة الناشئة في جزيرة العرب التي أخذت أخبار انتصاراتها تثير جزع هرقل وخوفه، فندب النبي r الناس للخروج، وكان الوقت وقت عسر شديد وحر شديد، فانتدب المؤمنون الصادقون عن طيب نفس، وتخلف ثلاثة من صادقي الإيمان.

• ندب r الأغنياء لتجهيز جيش العسرة، فجاؤوا بأموال كثيرة؛ جاء أبوبكر بماله كله، وجاء عمر بنصف ماله، وتصدق عثمان يومئذ بمال كثير، وجهز ثلث الجيش، حتى دعا له الرسول r وقال: (ما ضَرَّ عثمانَ ما عمل بعد اليوم). وجاءه عدد من فقراء الصحابة لا يجدون ما يركبون عليه، فقال لهم الرسول r: (لا أجد ما أحملكم عليه)، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون، وتخلف من المنافقين بضعة وثمانون رجلا، واعتذر إليه عدد من الأعراب بأعذار غير صحيحة، فقبلها منهم r.

• سار النبي r بالناس ومعه ثلاثون ألف مقاتل، ومن الخيل عشرة آلاف، وكان هذا أعظم ما رأته العرب حتى ذاك، وأقام في تبوك نحوا من عشرين ليلة، ولم يلقَ فيها كيدا، ولم يدخل حربا. وكانت هذه آخر غزواته r.

• في هذه الغزوة نزل قول الله تبارك وتعالى: ((لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم * وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم)). كما أنزلت آيات كثيرة في سورة التوبة تتحدث عن موقف المنافقين والمعتذرين من الأعراب في هذه الغزوة، وفيها عتاب من الله لرسوله r على قَبول معذرتهم.


% جمع القرآن الكريم

جمع القرآن بمعنى كتابته وقع ثلاث مرات مشهورة، في عهد النبي r وصحابته رضي الله عنهم:

• المرة الأولى: كانت بإملاء النبي r، وكان يأمر الكاتب أن يقرأ ما كتب؛ حتى يقوِّم ما قد يكون من زلل في حرف.

• المرة الثانية: في عهد أبي بكر t؛ لمّا كَثُرَ الشهداء من القرّاء في موقعة اليمامة، فخشي ضياع شيء من القرآن بموتهم، فتألّفت لجنة برئاسة زيد بن ثابت t، واستحضروا ما في بيوت زوجات النبي r وما مع الصحابة، واستشهدوا –أي طلبوا الشهادة- على ما جاء به كلُّ واحد؛ أنه كُتِب بحضرة النبي r.

• المرة الثالثة: في عهد عثمان بن عفان t، لما اختلف المسلمون في القراءة، وكاد يكفِّر بعضهم بعضا، وهم في غزوة أرمينية؛ تألفت لجنة برئاسة زيد بن ثابت أيضا، وكتبوا ستة مصاحف مشتملة على قراءات موزعة. وبهذا أخذ الناس في القراءة؛ بمعنى أنهم أجمعوا على صحة ما عندهم، فلا يخطّئ بعضهم بعضا. وقام الناس بالنقل من هذه المصاحف لأنفسهم، وبقيت هي وما نُقِل منها إلى أن دُوّن عِلم الرسم .


% حجة الوداع

• كانت حجة الوداع هي الحجة الوحيدة التي أداها رسول الله r بعد البعثة، ولما تسامع الناس أنه r سيحج في تلك السنة توافدوا إلى الحج من مختلف أنحاء الجزيرة العربية، حتى قيل: إنهم بلغوا مئة وأربعة عشر ألفا.

• خطب النبي r خطتبه الشهيرة المتضمنة للمبادئ العامة للإسلام، وهي آخر خُطَبِه r، ومما جاء فيها:

( أيها الناس، اسمعوا قولي، لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا. أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلّغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. وإنَّ كلَّ رِباً موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تَظلِمون ولا تُظلَمون ... وإن كل دم في الجاهلية موضوع ... أيها الناس، إن الشيطان قد يئس من أن يُعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يُطَع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروا على دينكم ... وإن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم؛ ثلاثة متوالية، ورجب مُضَر الذي بين جمادى وشعبان.

أيها الناس إن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهن أن لا يُوطِئن فُرُشَكم أحدا تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عَوان –أي أسيرات-؛ لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلّغت. وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمراً بيّناً، كتاب الله وسنة نبيه. أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمون أن كل مسلم أخٌ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلموا أنفسكم، اللهم هل بلّغت؟ ).


% الحديبية (غزوة ...)

• وقعت في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، وكان مِن أمرها أن رسول الله r رأى في منامه أنه دخل البيت هو وصحابتُه آمِنين، محلقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون شيئا، فأمر الناس أن يتجهزوا للخروج إلى مكة معتمرين، لا يريد حربا لقريش ولا قتالا، فخرج معه المهاجرون والأنصار، يحدوهم الشوق إلى رؤية بيت الله الحرام، بعد أن حُرموا من ذلك ست سنوات، وخرج معهم من شاء من الأعراب، وساق r معه الهدي ، وأحرم من ذي الحليفة، وكان عددهم نحوا من ألف وخمسمائة، ولم يخرجوا معهم بسلاح إلا سلاح المسافر؛ السيوف في أغمادها.

• لمّا وصل r إلى عسفان جاء من يقول له: هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا -وقد لبسوا جلود النمور- يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدا، فقال r: (يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب! ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني، كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟! فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله حتى يُظهِره الله، أو تنفرد هذه السالفة).

• لما وصل r الحديبية -الشميسي الآن- جاءه بعض رجال من خزاعة يسألونه عن سبب قدومه، فأخبرهم أنه لم يأت إلا ليزور البيت ويعتمر، فرجعوا وقالوا لهم: إنكم تعجلون على محمد، لم يأتِ لقتال، إنما جاء زائرا لهذا البيت. فقالوا: لا والله لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ولا يتحدث العرب عنا بذلك.

• ثم بعثوا عروة بن مسعود ليتحدث إلى الرسول r بهذا الشأن، وبعد حديثٍ وأخذٍ وردٍّ بين عروة وبعض الصحابة عاد إلى قريش وحدثهم عما رأى من حب الصحابة لرسول الله r، وهيبتهم له، ورغبتهم في الصلح معهم، فأبوا ذلك، ثم بعث الرسول r عثمان بن عفان إلى أهل مكة ليؤكد لهم الغرض من مجيء الرسول r وصحابته، وأبطأ عثمان، فأشيع بين المسلمين أنه قد قُتل، فقال الرسول r عندئذ: (لا نبرح حتى نناجز القوم) أي نقاتلهم، ودعا المسلمين إلى البيعة على الجهاد، فبايعوه تحت شجرة هناك على عدم الفرار، وأنه إما الصلح، وإما الشهادة.

• لما علمت قريش بأمر البيعة خافوا، ورأوا الصلح معه على أن يرجع هذا العام ويعود من قابل، فيقيم ثلاثا معه سلاح الراكب؛ الرماح والسيوف في أغمادها. وأرسلت قريش لذلك سهيل بن عمرو ليتم هذا الصلح، وأخيرا تم هذا الصلح، على ما رغبت قريش، وعلى وضع الحرب بين الفريقين عشر سنين، وأن من أتى مِن عند محمد r إلى مكة لم يردّوه، وأن من أتى محمدا r من مكة ردوه إليهم. فعز ذلك على المسلمين، وأخذ بعضهم يجادل النبي r فيما جاء من شروطها، ومن أشدهم في ذلك عمر، حتى قال r: (إني عبد الله ولن يضيعني).

• ثم أمر r أصحابه بالتحلل من العمرة، فلم يفعلوا ذلك لشدة تألمهم من منعهم عن مكة، ولِما جاء في بعض بنود الصلح، فبادر r بالتحلل من العمرة، فتبعه المسلمون جميعا. وقد ظهرت فيما بعد فوائد هذه الشروط؛ لبُعد نظره ورجحان عقله r، وإمداد الوحي له.

• سمى الله هذه الغزوة فتحا مبينا، حيث قال: ((إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما * وينصرك الله نصرا عزيزا)). ثم تحدث عن مبايعة الرسول r فقال تعالى: ((إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله)). ورضي عن أصحاب بيعة الرضوان تحت الشجرة فقال: ((لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا)). وتحدث عن رؤيا الرسول r التي كانت سببا في غزوة الحديبية فقال سبحانه: ((لقد صدق الله رسولَه الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا))، ولعل هذه إشارة إلى فتح مكة الذي كان ثمرة من ثمار صلح الحديبية. ثم أتبع ذلك بتأكيد غلبة هذا الدين وانتصاره فقال: ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا)).


% حُنَين (غزوة ...)

• كانت في العاشر من شوال، للسنة الثامنة من الهجرة، بعد فتح مكة بأيام. وسببها أن الله لما فتح مكة لرسوله r ظن زعماء هوازن وثقيف أنه r سيتوجه إليهم بعد الانتهاء من أمر مكة، فعزموا على أن يبدؤوه بالقتال، فأمّروا عليهم مالك بن عوف، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة، فأمرهم أن يسوقوا معهم أموالهم ونساءهم وأبناءهم ومواشيهم ليكون ذلك أدعى إلى ثباتهم في القتال، وقد بلغت عدتهم ما بين عشرين ألفا إلى ثلاثين، فأعلن r عزمه على الخروج لقتالهم.

• خرج مع النبي r كل من كان بمكة؛ أصحابه السابقين ومن أسلم حديثا، وسار r حتى إذا كان في وادي حنين خرجت عليهم هوازن وحلفاؤها في غبش الصبح، فحمل عليهم المسلمون، فانكمش المشركون وانهزموا، فانشغل المسلمون بجمع الغنائم، فاستقبلهم المشركون بالسهام فانفرط عِقدهم، وفَرَّ المسلمون الجدد، وبقي r ثابتا على بغلته يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب).

• كان قد أُشِيعَ أنه r قد قُتل، فألقى كثيرٌ منهم سلاحه يائسا، ولكنَّ نفرا من المهاجرين والأنصار ثبتوا حوله، وأخذ العباس t -وكان جهوري الصوت- ينادي في المسلمين: "إن رسول الله ما زال حيا"، فعاد إليه من كان مدبرا، وتكاثر المؤمنون حتى استطاعوا أن ينتصروا كرة أخرى.

• بلغت غنائم العدو في هذه الغزوة مبلغا كبيرا، فرّقها أولاً على المؤلفة قلوبهم من حديثي الإسلام، ولم يعطِ منها الأنصار شيئا؛ اعتمادا على إيمانهم وصدق إسلامهم.

• نزل في هذه المعركة قولُه تعالى: ((لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغنِ عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين)).

• كانت هذه الغزوة آخر معركة ذات شأن بين المسلمين والمشركين، لم يلبث العرب من بعدها أن كسروا الأصنام ودخلوا في دين الإسلام.







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الإتلافات

الإتلافات • يحرم الاعتداء على أموال الناس، وأخذها بغير حق، ومن اعتدى على مال غيره فأتلفه، وكان هذا المال محترماً، فإنه يجب عليه الضمان، وك...